الأحد، 23 سبتمبر 2012

ايجيبشان تايتانك

غطس " جاك " في الماء في جو شديد البرودة فقط ليفسح مكانا ل " روز " لتستلقي على القطعة الخشبية الطافية التي لا تتسع سوى لواحد منهما فقط  ...

بدأت القصة منذ سنوات عند تخرج جاك في إحدى الكليات الطبية , تنبأ له الجميع بمستقبل باهر , لم يستمتع جاك كثيرا بتجربة التكليف بوحدة صحية ريفية لانضمامه لصفوف القوات المسلحة لتأدية الخدمة العسكرية الإجبارية كضابط مسئول ,

في هذا الوقت كانت " روز " فتاة مدللة تقضي أوقات انشغالها في التخطيط لما سوف تفعله في أوقات فراغها و هي مهمة شاقة حيث تفشل دائما في تحديد ساعات النوم المطلوبة لتجنب الإصابة بالصداع الذي يفسد متابعة مواقع الإنترنت .. و الدايت ,

رغم أنه لم يكن يفقه في الطب سوى القليل المختصر المخل إلا إن شهادة جاك الطبية ذات السمعة المرموقة إلى حد ما أهلته ليكون من علية القوم القابعين على القهوة , فهناك شهادات لا تؤهل صاحبها ليكتسب لقب عاطل و ليس كل العاطلين سواء ..

بعد أن تعدى سن الثلاثين قرر جاك فجأة أن ينفذ قراراته السابقة بالبحث عن مستقبل جديد و مهنة جديدة , قرر أن يشتري موتوسيكل و يشارك في الرسالة السامية التي يؤديها عمال توصيل الطلبات للمنازل , كان قد ادخر مبلغ كبير من مرتبه الحكومي تخطى الثلاثمائة جنيه و اقترض عشرين ألفا أخرى من أحد أقاربه الميسورين بعد أن كتب على نفسه الإيصالات اللازمة ,

 في الوقت نفسه كانت حياة روز أيضا تأخذ منحى مختلفا حيث كان الموسم الأول من المسلسل التركي على وشك الانتهاء و لم تكن تطيق صبرا حتى يبدأ الموسم الجديد ,

 لقلة خبرة جاك بقيادة الموتوسيكلات تحطم الموتوسيكل مع ثاني اوردر يقوم بالفشل في توصيله  و أصبح جاك مهددا بالسجن , ليس بسبب الإيصالات التي كتبها على نفسه و لكن لأنه تسبب في تحطيم سيارة أجرة  يمتلكها أحد الضباط غير المشاركين في اعتصام الضباط الملتحين ,

 قررت روز أن تغير من نفسها للتغلب على شعورها بالملل  فأخذت سيارتها بعد أن حجزت موعدا بالتليفون و توجهت فورا للبيوتي سنتر , كانت تعرف "ناتالي"  السيدة التي تعمل هناك منذ الطفولة ," ناتالي " لم يكن حظها من التعليم وفيرا و هذا من حسن حظها , فقد اتجهت للحياة العملية سريعا و استطاعت في وقت قصير أن تستقل ماديا عن أسرتها , تزوجت سريعا و أصبحت هي العائل المادي لأسرتها أيضا ,

 استطاع جاك بعد وساطة اهل الخير و أهل جاك أن يقنع الضابط بقبول إيصالات جديدة كتبها على نفسه ليتعدى إجمالي مديونياته ضعف ثمن الموتوسيكل المحطم , لم ييأس جاك و قرر أن يتجه للاتجار في الممنوعات , بدأ يمر على محطات البنزين المختلفة ليملأ الجراكن بما لم يلذ و لم يطب من أنواع البنزين المختلفة و يقف ليبيعها لمن يرغب , نمت تجارته سريعا و أصبح له مكانه المعروف عند بداية أحد الطرق السريعة ,

 و لأن الرياح دائما ما تأتي بما لا تقوى على تحمله السفن فقد انتشرت شائعة بأن الدولة سوف تقوم بفرض ضرائب جديدة على صغار المستثمرين فقامت ناتالي بتنظيم وقفة احتجاجية ما لبثت أن تحولت مع تجاهل الجهات الرسمية لها إلى تجمع حاشد اتخذ من الطريق الذي كان جاك يقف عند بدايته مقرا له , و مع قطع الطريق و عدم وجود سيارات توقفت تجارة جاك قبل أن يستطيع أن يسدد نصف مديونياته ,و لم يكن من السهل العثور على مكان آخر يقف فيه لبيع البنزين حيث احتل جميع زملاء دفعته في كلية الطب الأماكن الأخرى ..

قرر جاك ان يهرب خارج حدود الوطن ,بعد عدة محاولات استطاع الحصول على فيزا سياحية  و بعد عدة إيصالات أمانة استطاع الحصول على ثمن تذكرة سفر على متن طائرة متجهة لإحدى الدول الاوروبية , كانت نفس الطائرة تحمل روز في درجتها الأولى هربا من واقعها الممل متجهة لقضاء أجازة قصيرة مع خالها المقيم هناك منذ سنين ,

أصيبت الطائرة بصاروخ غير معلوم المصدر و إن أعلنت بعد ذلك إحدى الجماعات المشبوهة مسئوليتها عن الحادث انتقاما من الدولة الأوروبية التي كانت الطائرة تحمل أكثر من أربعة مواطنين يحملون جنسيتها و حوالي مائة و سبعين راكب آخر  جميعهم زملاء دفعة جاك الذين كانوا يحاولون الفرار معه ,

مات من مات و سقط في البحر من سقط و جاءت اللحظة التي كثيرا ما توقعها جاك في احلامه حيث وجد نفسه على قطعة خشبية طافية باقية من سفينة غرقت دون صاروخ غير معلوم المصدر نتيجة لتهالكها و حملها لأعداد من البشر تفوق ثلاثة أضعاف ما تستطيع حمله كانوا جميعا من دفعات كلية الطب الأكبر من جاك ممن لم تسعفهم إيصالات الأمانة في الحصول على تذكرة طائرة كتلك التي حصل عليها جاك ..

نظر جاك حوله فوجد روز تحاول النجاة من الغرق في المياة الباردة ,حاول تجاهل ما رآه و لكنه اتخذ قراره سريعا و بشهامة أولاد الأصول مد يده ليلتقط محفظته الجلدية الطافية بجوار روز  محاولا انقاذ ما بقي بها من أموال , تمسكت روز بيده ظنا منها أنه يحاول مساعدتها و جذبته بشدة ,

غطس " جاك " في الماء في جو شديد البرودة  ليفسح مكانا ل " روز " لتستلقي على القطعة الخشبية الطافية التي لا تتسع سوى لواحد منهما فقط  ...

بعدها بأسابيع كانت روز تضع المونيكير الأسود حدادا عند ناتالي و هي تبكي و تعيد أكثر من مرة على اليوتيوب مشهد الرئيس و هو يقدم خالص تعازيه لأسر ضحايا الطائرة و السفينة و يعلن عن تكوين لجنة لتقصي الحقائق و صندوق خاص لمساعدة أهالي المتوفين .

الخميس، 20 سبتمبر 2012

حمزة


رغم غرابة وجود طفل لم يتعد عمره العامين في الاجتماع الشهري المعتاد للإدارة الحكومية التي تم تعييني بها , إلا إنني قد اعتدت منذ شهور عند بداية التحاقي بالعمل ألا أندهش من أي شيء , فأنا لا أريد أن أبدو متعجرفا أو فظا عندما أبدي انزعاجي من وجود أطعمة جاهزة أو مطبوخة في الاجتماع , أو مرور بعض الباعة الجائلين لعرض بضائعهم على الموظفين دون أي إحساس بالحرج ...

رأيت "حمزة"_الطفل الصغير _ يتجول بين الحضور بتلقائية شديدة , يجري قليلا ثم يتوقف فجأة و يجلس مكانه مما يدل على عدم اعتياده على المكان بعد , كان جميع الحضور من الموظفين المعروفين بنشاطهم في الحضور إلى العمل قبل صلاة الظهر بفترة ليست قصيرة , غالبا ما كانوا قبل الثورة يقضونها في تناول طعام الإفطار و تناول لحوم إخوانهم و جيرانهم أحياء بتبادل ما توفر من النميمة الحصرية , تغير هذا النمط كثيرا بعد قيام الثورة و توفير جهاز كمبيوتر لكل موظف , فأصبحوا يقضون اوقاتهم في تصفح "فيس بوك " و لعب "سوليتير " ..

شعرت بسعادة داخلية نابعة من رغبتي في الانتقام من أولئك الانتهازيين كلما رأيت "حمزة" يقترب من أي منهم قليلا و يلتقط أي شيء موضوع أمامه مثل التليفون المحمول أو سلسلة المفاتيح و يلقيه على الأرض بقوة صارخا بلهجة آمرة و هو يشير لما القاه للتو على الأرض .. "هااات" ..

نظر أحد الموظفين القدامى و هو من القلائل المعروفين بالهمة و الإتقان إلى شيكولاته موضوعه أمام "حمزة" , كان "حمزة" سريعا فالتقطها و كان الموظف قويا فحمل "حمزة" و الشيكولاته معا , و أخذ قطعة صغيرة منها , لم يتردد "حمزة" كثيرا و حسم أمره سريعا فمد يده .. و اعطى الموظف كبير السن بقية الشيكولاته .. مبتسما

كان المدير قد وصل للتو متاخرا عن ميعاده بساعة واحدة و أخذ يتحدث بمقدمة محفوظة عن الثورة و النهضة و الأمانة في العمل و وجوب الالتزام و التفاني , واعدا بتحقيق المزيد من التقدم و بذل المزيد من الجهد و العرق لنستطيع الخروج من عنق الزجاجة الذي قبعنا فيه لسنوات عجاف طويلة , قطع "حمزة" خطبته المعتادة في كل اجتماع حينما اقترب منه سريعا و هو يصرخ حتى اصبح على مسافة اعتقد انها مناسبة حين رفع يده و صفع المدير مصدرا صوت أعلى من قوة الضربة بكثير ,

تظاهر المدير بالابتسام ليخفي حرجه و اكتفى بإزاحة "حمزة" بعيدا محاولا استكمال خطبته العصماء متظاهرا بأن شيئا لم يحدث , اختفى "حمزة" قليلا ثم ظهر فجأة و هو يحمل شبشب كان المدير قد تركه في المكتب ليستخدمه أثناء الوضوء لصلاة الظهر التي غالبا ما ينصرف بعدها مباشرة قبل ميعاد انصرافه الرسمي بحوالي ساعتين ,

نظر المدير إلى "حمزة" نظرة إرهاب و تهديد , كانت نظرة المدير مرعبة بحق و لكن قرار "حمزة" كان سريعا فصوّب الشبشب مباشرة لوجه المدير بدم بارد و ابتسامة انتصار خبيثة لم تفارقه ...

انتبهت فجأة لصوت المدير و هو يصرخ في وجهي : مخصوم منك يومين يا حمزة علشان السرحان اللي انت فيه ده من أول الاجتماع .

الأربعاء، 19 سبتمبر 2012

دكر من ورق

كان في طريقه لعمله الصباحي مستقلا سيارته , واضعا الفلاشة في الكاسيت ممسكا بالريموت محاولا الوصول لأغنية معينة , عندما حاول سائق ميكروباص يبدو عليه الضيق الشديد (الميكروباص و ليس السائق ) أن يمر مسرعا بين سيارته و موتوسيكل يجري دون مراعاة لحجم الطريق ..

سمع صوت خفيف يوحي بخدش ناتج عن احتكاك الميكروباص بجانب الاكصدام الأمامي لسيارته , استفزه الموقف فأسرع يجري وراء الميكروباص واضعا يده على الكلاكس متقمصا دور سائق سيارة اسعاف متهور , استطاع اللحاق بسائق الميكروباص و فتح نافذة سيارته ليبدأ نقاش من طرف واحد يتلخص في التشكيك في حاسة الإبصار عند سائق الميكروباص و بعض الألفاظ التي تحمل معنى الرفض و الاستهجان ..

نظر له السائق المترفع عن الرد من خلف نظارته الشمسية المقلدة التي حجبت الشرر المتطاير من عينيه قبل ان يلقي بسيجارة كانت في يده مع خاتم كبير و أظافر طويلة و يصرخ بدوره " ما أنا رفعت لك إيدي خلاص , و بعدين عربيتك ما حصلهاش حاجة " ثم أردف بلهجة واثقة محذرة مستفزة خادشة للحياء " عايز نقف على جنب , نقف و تنزلي " . . . و انحرف فجأة إلى جانب الطريق متوقفا متحفزا ..

هنا أدرك اللحظة الفارقة , استعاد في ذاكرته بشيء من التأمل المخلوط بالخوف كل ما حدث , شعر بأن الحادثة كانت بسيطة و تتكرر كثيرا , كما أن الاكصدام مخدوش من قبل و كان ينوي تغييره عند توفر الوقت و المال اللازمين , كما أنه غير أصلي بالأساس , و تذكر كلمات السائق الرقيقة و هو يؤكد إن " العربية ماحصلهاش حاجة " و هي بالتأكيد وجهة نظر سليمة حيث يتيح موقع سائق الميكروباص له الفرصة للحكم ما إذا كانت السيارة اصيبت أم لا , كما أن السائق قد تكرم و رفع يده ( أو للدقة تكرم و قال أنه قد رفع يده ) تعبيرا عن حزنه الشديد و اعتذارا عن خدش هو يؤكد أنه لم يحدث ...

تذكر صديقه المقرب الذي كان دائما ما ينصحه بعدم التسرع في إصدار الأحكام , تذكر فجأة نصائح العفو عند المقدرة و قدرة الابتسامة و التسامح على خلق روح إيجابية في المجتمع , تذكر ما كتب على ورقة النتيجة هذا الصباح من عدم جدوى النقاش مع السفيه , كما تذكر فجأة أنه ربما يتأخر عن موعده و أنه مضطر للإسراع حتى يصل عمله مبكرا كما تعوّد دائما , كما أنه لم يسمع السائق جيدا عندما أطلق جملته الاخيرة طالبا الوقوف على جانب الطريق و لم يلمحه و هو ينحرف فجأة إلى جانب الطريق ....

مرت كل تلك الأفكار و المبررات في رأسه في ثوانِ معدودة قبل أن يقرر فجأة أن ينحرف هو الآخر_ لا إراديا_ إلى جانب الطريق و مواجهة الموقف و النزول من السيارة , اندهش مما فعله و لوهلة قرر ان يتظاهر بأنه يفحص الإطارات و يعود سريعا لسيارته و لكنه _لا إراديا مرة أخرى_ انفعل و تعصب و تشنج عند رؤيته للخدش الجديد على سيارته ...

تحولت عصبيته إلى دهشة كبيرة عند سماعه لكلام سائق الميكروباص مفتول العضلات محمر العينين الذي جاءه يجري معتذرا بصوت خافت , و تحول صاحب مقولة " ما أنا رفعتلك إيدي خلاص " إلى حمل وديع مظلوم يطلب منه بكل أدب أن "صلي على النبي يا باشا , أنا آسف " كما لعن الفرامل التي لم تسعفه و الموتوسيكل الذي لم يفسح له ... مبديا استعداده التام لإزالة الخدش و إصلاح أي تلف قد نتج عن تهوره ..

تقمص دور أمين الشرطة المخلص ناصحا سائق الميكروباص بإن " مافيش فرامل , يبقى تمشي بأدبك " و أخذ يكرر الجملة كثيرا إعجابا بالمنطق الموجود بالجملة و بقدرته على الصراخ بصوت عال في شارع مزدحم , قبل أن يعفو حقا عن السائق و يتركه رافضا أن يصلح السائق أي شيء صائحا بصوت سمعه كل من كان يركب الميكروباص " لولا بس إنك لحقت نفسك و اعتذرت لي " و أكمل في سره و هو يركب سيارته .. "
كنت أنا اللي اعتذرت لك "

الأربعاء، 1 أغسطس 2012

حاضر لكن مكتوب غياب

لم يشعر أحد بغيابي , فأنا غير موجود بالأساس , في البداية فوجئت برد فعلهم الذي اعتقدت بأنه سيبدأ بالبكاء و العويل و ينتهي بالصبر و الاحتساب , و لكن يبدو انني كنت مخطئأ , أو أنني لم أكن على هذه الدرجة من الأهمية , ربما بسبب اختياري الدائم للبعد عن المشاكل , ربما لو لم أؤمن أن راحة الجسم تبدأ من راحة المخ .. من التفكير لتركت لهم سببا يتذكرونني من أجله , لم يفتقدني من اعتقدت أنني أسدي لهم صنيعا بعدم مواجهتهم بعيوبهم , فشلت بإرادتي في لفت انتباههم لوجودي , فكيف أريد الآن أن ألفت انتباههم لغيابي ؟! ..

 لم تفرد الجرائد صفحاتها لذكرى غيابي و لو ليوم واحد رغم أنني كنت أشتريها كل يوم ..

لم تتذكرني سيارتي التي كنت احرص دائما على إطعامها متحملا طوابير طويلة في محطات البنزين و علاجها من أي عطل محتمل ربما باهتمام أكبر من اهتمامي بعلاج من يركبونها و نظافتها بشكل ربما يزيد عن عدد مرات الوضوء اليومية , ربما تقوم الآن بتوصيل شخص لعمله أو أطفال لمدارسهم أو حتى رئيس الجمهورية لحفلات تخرج شعبه دون ان تتذكر أول من استقبلها عند خروجها من مصنعها الغربي و حماها من احتكاكات الشوارع و مطباتها في دولة إذا سرق فيها الشريف سرقوا معاه و إذا اشتكى فيها الضعيف ,أقاموا عليه الحد ..

لم يتذكرني البنك الذي ائتمنته على أموالي و حساباتي , لم يشفع لي عنده ثقتي به و بمشاريعه داعما إياه بكل ما استطعت أن أجنيه من أموال لكي يستثمرها و يشيد المدن و يعطي أصحاب النفوذ دون ضمان ..

حتى شقتي التي ظننتها ستملأ البرج و الحي كله صراخا على فراق من كان يحرص بصفة مستمرة على استقدام الأكثر أمانة لكي ينظفها و يعتني بها و الأكثر حرفية لكي يصلح مواسيرها و يدهن حوائطها متحملا ضياع الأوقات و استغلال الحاجات و من كان يحرص على فرشها بكل غال و شيمواه , أقول أنها لم تشعر بغيابي و لم تأسف لبعدي و اختفائي , فالاتربة التي كستها سرعان ما تمحيها طلعة جوية واحدة لمكنسة يابانية و تستعد لاستقبال ضيف جديد يرعاها و يستميت من أجلها ..

لم يتذكرني النادي الذي كنت دائما ما احرص على زيارته و صلة رحمه و تطهير أموالي بالتصدق لرحلاته و تبرعاته الإجبارية صدقة جارية في التراك المحيط بملاعبه و مطاعمه التي تجري من تحتها حمامات السباحة و فيها ما لا تقدر عين المواطن محدود الدخل على رؤيته حتى لو سمعته أذنيه ..

لم تبكِ المباريات التي كنت أواظب على مجاملتها بالفرجة عليها حزنا على فراقي , ولا الباقيات الصالحات من استديوهات تحليل البرامج الرياضية..

لم تفتقدني شهادتي التي بروزتها ولا ملابسي التي تحريت الدقة في اختيارها  ولا الكارت أبو عشرة اللي _لا مؤاخذة_ خدشته..

ربما الوحيد الذي لم يفاجئني رد فعله هو بحر الحياة الذي لم يشعر بذنب ابتلاعي لأنه على يقين من أنني اغرقت نفسي فيه عامدا قاصدا لالحق بمن سبقوني و اسبق من لحقوني ..رغم الدهشة التي رأيتها في عينيه و هو يدفنني متساءلا في سره عما إذا كان الغرق فيه فرضا علي الأغبياء من أمثالي ؟! فوددت لو أعود لحظات معدودة لأخبره بأنه ربما ليس فرضا على من يمتلكون العقل و لكنه قد أصبح بالتأكيد . . . متفق عليه

الاثنين، 30 يوليو 2012

شيش نعام


رغم المظاهر الرمضانية التي اكتست بها القهوة قبل استطلاع هلال الشهر الكريم من صوان إضافي التهم نصف الرصيف و أنوار و شيشة و طاولة و خلافه إلا أن هدوء الجالسين على الكراسي كان مختلفا هذه المرة , بالتأكيد لم يكن خشوعا أو إنصاتا لصوت المسلسل القادم من شاشة البلازما المعلقة في طرف الصوان , فهم معتادون على ممارسة أكثر من نشاط كمتابعة التليفزيون و اللعب و إجراء المكالمات "المحمولية" و حتى الشجار في نفس الوقت بمنتهى التركيز أو _إحقاقا للحق _ دون تركيز ..

عندما سألت أحد العاملين عن سبب جلوس الرواد صامتين و كأن على رؤوسهم طير مصابة بانتفاخ أول يوم رمضان , أجابني بصوت خفيض كمن يفشي سرا عسكريا و بطريقته المختصرة الدالة على ضيقه من جهلي بأحداث الوطن الهامة " أصل خطاب الريس الجديد لسه خلصان " لم يمهلني الفرصة لكي أسأله عما يقصد بالجديد , الريس أم الخطاب ؟! .. فقد انصرف من أمامي سريعا ملبيا نداء تصفيق أحد الجالسين و لم أشأ أن أستدعيه مرة أخرى لكي القنه درسا في آداب الحوار فقد كان شابا في نهايات الطفولة يتطاير الشر من عينيه تطاير رزاز الصودا من كوب مشروب غازي .. يبدو عليه التحفز الشديد و الاستعداد للعنف المتناسب طرديا مع كمية الجِل التي روى بها شعره
...

جلست في ركني الخاص منصتا محاولا فهم أبعاد المشكلة من بعض ردود الفعل التي بدأ الجالسون في إبدائها , كانت الأزمة هي الإعلان عن علاوة جديدة سيتم صرفها للموظفين و هو ما يعني ارتفاع أوتوماتيكي في الأسعار المرتفعة ذاتيا , بعض مؤيدي القرار كانوا يرون فيه بادرة إيجابية لخطب ود جمهور غفير من الموظفين الساعين وراء علاوة أو زيادة في المرتب يسدون بها رمق هواتفهم الجوعى للرصيد , و بالطبع لم يقف المعارضين مكتوفي الألسن أمام هذا القرار الموحي بالارتجال و التخبط و السطحية فهم يريدون حلولا جذرية لمشكلات متأصلة منذ قرون
...

زادت حدة الحوار بين المتحاورين خصوصا مع عدم وجود خبير اقتصادي او محلل سياسي محترف بيننا ليفتينا فيما اختلفنا فيه , و مما زاد من سخونة الحوار الانقطاع المتكرر للتيار الكهربي و ما يصاحبه من لعنات و أزمات تتعلق بأعراض متلازمة الحر و الملل و الزحام
..

وفجأة جاء من أقصى الشارع رجلٌ يسعى , ظننته شحات رمضاني , فلما اقترب أكثر .. تأكدت ظنوني
..,استطاع أن يخطف انتباه الحاضرين .. ليس لثيابه الرثة و حاله التي تصعب على الفلول , فهو منظر طبيعي و متكرر لم يعد يثير الدهشة أو حتى التعاطف , كان ما لفت انتباه الجالسين له هو أنه لم يكن يحمل علبة لتلميع الأحذية او حتى يقف خلف ميزان لقياس الطول و الوزن و لكنه كان بكل ثقة يحمل ماكينة لعد النقود عارضا خدماته لمن يهمه الأمر ..

انشغل بعض الحضور بالتندر عليه , فمنهم من اعطاه ورقة بخمسة جنيهات طالبا منه عدها بدقة , و منهم من ابرز عدة جنيهات معدنية طالبا منه عدها او للدقة وزنها , و أقسم ثالث أنه لو كان يحمل في جيبه اكثر من سبعين جنيه لوضعها فورا في حسابه البنكي دون أن يعدها حتى لا "يقل بركتها" .. حاولت أن أساعده فلم اجد معي ما تزيد كميته بصورة تستحق العد سوى مئات الإعلانات التي قام أعضاء حزب الحرية و العدالة بتوزيعها علينا بعد صلاة الجمعة للترويج لقرار شجاع اتخذه الرئيس ..و مئات الإعلانات الأخرى التي وزعوها بعد صلاة العصر للترويج لقرار شجاع آخر اتخذه الرئيس . . .  بإلغاء القرار الأول .

الاثنين، 16 يوليو 2012

البكابورت


كان مستلقيا على الكنبة في انتظار السباك الذي حضر في موعده على عكس المتوقع , فحص الحنفية سريعا قبل أن يصلحها بإخلاص مستبدلا قطعة بالية بأخرى جديدة رافضا الحصول على أي مقابل معتذرا عن خطأ الإصلاح الأول المسئول عنه رداءة قطع الغيار التي استخدمها , منصرفا في هدوء مع الوعد بتقديم شكوى ضد مستورد هذه المنتجات المقلدة عديمة النفع بالغة الضرر ..

كانت لديه رغبة شديدة في استغلال يوم الأجازة الاستغلال الأمثل , فوظيفته المرموقة التي حصل عليها بمجرد تخرجه من الجامعة بعد أن تلقى من العلم و المهارة ما يؤهله لينافس بقوة و يصبح عضوا نافعا في مجتمعه , قرر أن ينهي بعض مشاويره المؤجلة , وقف بالمكان المحدد بالشارع حيث جاءه التاكسي الذي ركبه مباشرة ليتوجه للمؤسسة الحكومية التي يقصدها ..

فوجيء سائق التاكسي بسيارة شرطة تسير إلى جواره و تطلب منه التوقف على يمين الطريق , توقف السائق في هدوء فاقترب منه رجل المرور في زي انيق حاملا في يده جهازا إليكترونيا دقيقا عرضه عليه و به صورة لارتكابه مخالفة قيادة , دفع السائق المخالفة في هدوء و ودع الغثنان بعضهما بابتسامة ..

وصل إلى المؤسسة الحكومية التي كان يقصدها و حصل على رقم ثم جلس ينتظر دوره و استغل هذه الفترة القصيرة في قراءة كتاب صغير كان يحمله معه مثل بقية المتواجدين ,لم يطل انتظاره حيث استدعاه الموظف البشوش مبديا استعدادا تاما للتعاون و تذليل كل العقبات معتذرا عن فترة الانتظار منهيا كل الإجراءات في دقائق معدودة دون وجود اي آثار للافتات " الصبر مفتاح الفرج " أو " ادفع و بعدين اشتكي " ..

قبل أن يعود لمنزله شعر ببعض التعب فقرر التوجه لأقرب مستشفى حكومي الذي ما أن دخله و سجل رقمه لاقومي على شاشة الكمبيوتر الموضوعة على حامل مرتفع على يسار الاستقبال , حتى استدعاه موظف الاستقبال في خلال ثوان ليسلمه ملفه المرضي الكامل و رقم تأمينه الصحي و تاريخه المرضي مطبوعا و يسأله إن كان قد جاء لمتابعة حالته ام أنه يشكو من شيء آخر قبل ان يعطيه رقم الكشف و يوجهه للطبيب المختص ..

بعد أن انهى رحلته القصيرة بالمستشفى قرر أن يتجول قليلا بالشوارع النظيفة وسط الأشجار العالية و الهواء النقي و الكاميرات المنتشرة لمراقبة كل مكان لإضفاء إحساس بالأمان قبل أن يركب الأتوبيس الخالي نسبيا من الركاب و المزود بشبكة انترنت لاسلكي و فتحات كهربائية لشحن بطاريات الكمبيوتر الشخصي و التليفون المحمول ..

وصل لمحطته البعيدة و صلى بالجامع الصغير النظيف قبل أن يفيق من حلمه الجميل ليجد نفسه قد نام على الكنبة أثناء انتظاره للسباك الذي خلف موعده معه للمرة الرابعة ,ويستيقظ على صوت أحد جيرانه بالشارع و هو يشكو من سقوط طفل رابع بالبلاعة المفتوحة دائما بالشارع صائحا .. " الحكومة لازم تحل الموضوع ده .. مش كل شوية المجاري تتسد بسبب العيال "


رحلة حياة

كنت استمتع بالعرض المسرحي للمضيف الآسيوي لشرح طرق استخدام قناع التنفس و سترة النجاه أثناء بداية اقلاع الطائرة عندما سألني ضميري سؤالا مباشرا عن الهدف من هذه الرحلة ,

رغم العشرة القديمة بيننا إلا إني في تلك اللحظة ندمت على اصطحابه معي في رحلتي , رددت عليه ببرود طالبا منه الاستراحة قليلا و الصمت حتى آخر الرحلة أو آخر العمر أيهما أقرب ,

تهكم على هروبي من إجابة سؤاله مرددا رأيه المعتاد عن ضعف شخصيتي و عدم قدرتي على المواجهة و تفضيلي الدائم للهروب من المشاكل بأي طريقة , سألني مرة اخرى بشغف عن جدوى هروبي من المواجهة , فسألته بشغف اكبر عن "إنت مال أهلك " ,

لم يتراجع أمام نبرتي الحادة , و ذكرني بهدوء ب إلحاحه السابق عليَّ بالاصرار على الحلول القاطعة لجميع المشاكل التي تواجهني , ذكرني بكلامه عندما اصطحبني في بداية استلام عملي الحكومي و كيف نصحني بالابتعاد فورا عن هذه المنظومة الفاسدة , ذكرني بتنبيهه المستمر لي ب .. قطعت استرساله المستمر في الحديث بوضع السماعات في اذني كدليل على رغبتي الصادقة في عدم استكمال هذا الحوار العقيم معه ,

لم يبال بالركاب المحيطين بنا و رفع صوته اعلى من الراديو ليستكمل مونولوج توبيخي فاضطررت لمناقشته بهدوء منعا للفضيحة مذكرا إياه بمبدأي في الحياة المتلخص في كلمتين . . " مفيش فايدة " , و أن هذا المبدا هو اختياري من البداية منذ ان كان "مالوش لازمة " عندما كان يتعلق برغبتي في تجنب المشاكل التي قد تنتج عن الاعتراض على الفساد المحيط و الذي تطور مع الزمن ليصبح " و أنا مالي " عندما وصل الفساد إلى دائرتي الصغيرة و اوشكت على التورط فيه , حتى وصل لصورته النهائية "مفيش فايدة " عندما اصبحت أنا نفسي جزءا من المنظومة الفاسدة أقولها لصغار المتورطين في المنظومة لحثهم على التمسك بمبدأي الأول في تجنب المشاكل .. "مالوش لازمة " ...

ابتسم ابتسامة خبيثة لأول مرة منذ بداية حديثنا قبل أن يخبرني بصوت واضح بأن الفساد استسهال و ليس اختيار . .

انتبهت مضطرا لظهور مفاجيء لمهرج يرتدي زيا نسائيا اكتشفت فيما بعد أنه المضيفة المصرية _التي كان واضحا على وجهها الخطأ الجسيم الذي ارتكبته في تقدير كمية المكياج المناسبة لعدم طمس ملامحها _ تطلب مني ربط حزام الأمان استعدادا للهبوط بعد رحلة لم يمهلني ضميري الفرصة للاستمتاع بها كما يفعل طيلة حياتي ..

نظرت إلى شريكي بالعمل الذي كان يجلس بجواري و قررت أن أريح ضميري لأول مرة و أخبر شريكي بمنتهى القوة و الحزم برغبتي في العدول عن تنفيذ الصفقة المشبوهة التي سافرنا من أجل اتمامها متحملا تبعات موقفي الشجاع و ما يمكن أن ألاقيه من مشاكل و أزمات مادية و عواقب الوقوف في وجه منظومة الفساد ممنيا نفسي براحة البال و الراحة النفسية ...

بادلني شريكي نظرتي الطويلة له بنظرة مشابهة قبل أن يخبرني و براءة مساعدي العادلي في عينيه بعدم وجود داعي للقلق عارضا أن يتولى هو بنفسه إدخال مبلغ العمولة المشبوهة التي سوف أحصل عليها إلى البلاد دون أية مشاكل رقابية , فكرت قليلا و استجمعت شجاعتي قبل أن أجيبه بكل ثقة و حزم قائلا .. " اللي تشوفه " ..


الشعب المتنيل بطبعه

لم يفاجئني وجودها في التشكيل الوزاري الجديد , كما لم يفاجئني في التشكيل الوزاري الذي سبقه , أو الذي سبقه , أصبحت أيقونة ثابتة في تشكيل أي حكومة ,


 بدأت حياتها صحفية مجتهدة , تنشر أخبار الفن و الموضة , سرعان ما تحولت للسياسة عندما تم تعيينها مندوبة لصحيفتها في جهة سيادية , توطدت علاقتها بالكثير من أقطاب الحزب الحاكم ,


صارت بوق النظام و المتحدث غير الرسمي ب اسمه , رفضت أن تلعب دور المعارضة الكارتونية و تقبلت بطيب خاطر أن تضحي بمصداقيتها و تبرر أي موقف يتخذه الرئيس أو أيا من أفراد حزبه أو أسرته ,

 صارت حكمة الرئيس و ذكاء ابنه و الفكر الجديد المدعوم بخبرة الفكر القديم هم أساس مقالاتها اليومية التي تتهافت الصحف على نشرها .. ترقت في المناصب و توسع نشاطها في الجمعيات و النوادي المدعوم بتأييد مباشر من حرم الرئيس ..


 أصبحت من اهم ضيوف البرامج الحوارية و حصلت على العديد من الأوسمة و الجوائز الشرفية من الدولة , يوما بعد يوم صارت جزء أصيل من الدائرة الصغيرة المحيطة بصناع الحكم ,أصبحت هي نفسها محور هام للنفاق و التعامل معها  كرمز من رموز المرحلة ,
 

 شعر النظام بتوسع شعبيتها و ازدياد نفوذها و خطرها المتزايد يوما بعد يوم , تمت التضحية بها بعد التأكد من انها لم تعد تملك أية ملفات سرية أو دلائل قد تستخدمها للمساومة بعد ذلك ,


 لزمت بيتها و التزمت بالتعليمات مع تحين أي فرصة في لقاء تليفزيوني عابر أو مقال مفاجيء لتراود النظام مرة اخرى عن نفسه و تستدر عطفه و تحاول إظهار الندم على ما فات و الرغبة في فرصة جديدة بعد أن عرفت حجمها الطبيعي ,


 فجأة سقط النظام ,و بعد أن تأكدت من سيطرة قوة جديدة على مقاليد الحكم  لعبت هي دور الضحية المضطهدة من النظام السابق ,


تشدقت بمحاربة النظام لها في أواخر أيامه مدعيه تواجدها في معسكر المعارضة و نضالها الدائم ضد الظلم و الفساد و تفضيلها الابتعاد عن دائرة الأضواء باختيارها اعتراضا على ما كانت تعيشه البلاد من ظلم و فساد ,
 

 تم تعيينها كمستشارة للحكومة الجديدة للاستفادة من خبرتها السابقة في تسيير شئون الدولة , سرعان ما أثبتت جدارتها للنظام الجديد و بدأت حملات النفاق و التبرير , أصبحت وزيرة ثابتة مع تغير الوزارات , صارت من المقربين للنظام الجديد , لم تتعلم من أخطائها السابقة ,


 جاءتنا الأوامر بالقبض عليها فورا و التحقيق معها بتهمة الانتساب للنظام السابق , استخدمنا أساليبنا الفعالة في التحقيق معها من كهرباء و خلافه للوصول لنتيجة سريعة معها و معرفة أماكن الأموال المنهوبة و ملفات الفساد , جاءتنا الأوامر مرة أخرى بعدم استخدام العنف تجنبا لتدخل المنظمات الدولية و المهتمين بحقوق الإنسان ,

 فصلنا الكهرباء و أعدنا "خلافه" إلى قفصه بعد أن كانا قد أحدثا الأثر المطلوب , تركناها بعد مصادرة كل ما تملك و التأكد من صمتها عما نريدها أن تصمت عنه ,

اختفت فترة انتشرت فيها الشائعات عن تدهور حالتها المادية و توبتها النصوح عن الكذب و الخداع ,


فوجئت بها  في أحد الأيام  تجلس على الرصيف المقابل لبيتي و هي تصرخ في المارة تطلب مساعدتهم .. " فاضل 189 جنيه من تمن الدوا.. فاضل 189 من تمن الدوا " ثم تدخل في وصلة من البكاء تنهيها بالصراخ من جديد "فاضل 189 جنيه من تمن الدوا " .. و كلما أعطاها أحد ولاد الحلال مبلغا تقوم بخصمه من صراخها .. " فاضل 187 من تمن الدوا " .. " فاضل 184 من تمن الدوا .. "

هممت أن أعطيها مبلغا لولا إنها اختفت قليلا في محل بقالة قريب لتظهر مرة أخرى و في يدها علبة عصير و هي تصرخ من جديد .. " فاضل 186 و نص من تمن الدوا ... "              




صالون عكاشة



كان من الحلاقين القلائل بالحي الذي أسكن به الذي تستطيع أن تتصل به في أي وقت من الليل أو النهار لكي تحدد موعدا  يختصر عليك فترات انتظار طويلة ,فهو يعيش في صالون الحلاقة الخاص به , يعمل بيده أو يقف خلف أحد مساعديه ليوجهه بالأمر المباشر أو بالضرب المباشر لتخفيف جزء من الشعر هنا و تظبيط جزء هناك , كما كان من الحلاقين الكُثُر الذين يعتقدون بأنك قد ذهبت لهم لسببين ثانيهما هو الحلاقة و أولهما هو معرفة رأيهم العميق في آخر ما يستجد في الساحة الكروية و السياسية ..

كان يعتبر نفسه سباقا في التحليلات السياسية و عارف ببواطن الأمور , يجزم بأنه أول من نادى بحرية المرأة , و أول من استخدم مصطلح الدولة العميقة , ناهيك عن تجاهله لسنه المقارب للستين و ادعائه أنه من شباب الثورة

لم تكن المشكلة في ضحالة معلوماته بشكل عام , فعمله المستمر في صالون الحلاقة الخاص به لم يكن يتيح له الكثير من الوقت للاطلاع و متابعة الأحداث بتأني , كانت المشكلة الرئيسية هي تعصبه الشديد لرأيه و رد فعله العنيف تجاه أي محاولة لتصحيح معلوماته أو الاعتراض السلمي على تعليقاته على بعض المواقف السياسية و المباريات الكروية ..

بعض الأساطير المنتشرة تحكي عن زبائن اختفوا فجأة من الحياة بعد ابداء وجهات نظر تتعارض مع التحليلات التي توصل لها بخصوص بعض الشئون الدولية و المحلية , مثل تأثير المحادثات الثنائية بين رئيس وزراء بريطانيا  و نظيره الروسي على المؤامرة الماسونية العالمية و علاقتها بارتفاع سعر رغيف العيش و  التأثير المباشر لانتقال بيكهام  للأهلي على  فانوس رمضان ..

على أية حال كانت هناك مبالغات في القصص المنتشرة حوله  فلم يكن زبائنه أفضل حالا منه و لم يكن معظمهم يعترض عليه , ليس خوفا منه , فمعظمهم ينتهج العنف كمرجعية أساسية لكل تصرفاته , و لكن لأن انغماسهم في العمل في أماكن بعيدة أو حتى في البطالة في قهاوي قريبة لم يكن يتيح لهم المتابعة و الاطلاع كما لم تكن لديهم الرغبة في ذلك ,فطريقة تفكيرهم لم تكن تختلف كثيرا عن طريقة تفكير الحلاق , يكفي أن تقول رأيك بقوة و حزم حتى تقنع المجاورين بأنه صحيح , و لا مانع من أن تضع في خلفية كلامك بعض المؤثرات الموسيقية الأنفية الشهيرة التي تعني "أرفض حتما أي كلام " حتى تقضي على أي تفكير في معارضة لرأيك من أي نوع ..

كانت "بيتفلسف" و " عايز يقلب لنا دماغنا " و " حمار " تهم جاهزة لأي شخص يقول كلاما لا يفهمونه , و الكلام الذي لا يفهمونه هو أي كلام يختلف عن نظرية المؤامرة التي تتميز عندهم بالمرونة الشديدة لدرجة انها يمكن أن تضم إسرائيل و حماس و إيران و بايرن ميونخ و بترول أسيوط في جبهة واحدة ضد الشعب بهدف إسقاط مصر و هدم الدولة

 كان صوت القناة التليفزيونية العكاشية يدوي في أرجاء الصالون عندما احتدم النقاش بيننا أثناء حلاقته لي و كان الحديث  بيننا قد وصل لنقطة النهاية من وجهة نظري عندما قال بلهجة حازمة .. " يا بيه ده حتى هاني خشبة بتاع الأهلي طلع إخوان " .. شعرت برغبة عارمة في قتله هو و الصوت المنبعث من التليفزيون للقضاء على ظاهرة الفتي في مصر و لكني آثرت أن أشعل شمعة بدلا من أن ألعن الظلام و تمالكت أعصابي مصححا له الاسم بمنتهى الهدوء . . " اسمه الكابتن هاني خشبة "

الخميس، 14 يونيو 2012

عن الصبر




كنت قد خرجت لتوي من المؤسسة الحكومية التي كنت أعمل بها بعد أن انهيت إجراءات العودة من الاستقالة التي استهلكت عشرات الأيام و مئات الإمضاءات ... حرارة الجو هي ما منعتني من الاشتباك اللفظي المعتاد مع سائقي التاكسي المتعففين عن توصيلي بعد قيامهم بتحقيق قصير معي لمعرفة المكان الذي أريد الذهاب إليه ... بعد فترة من الانتظار , وافق سائق تاكسي على توصيلي للعنوان المطلوب لسببين , الثاني هو تعاطفه معي بعد أن رأى أثر حرارة الشمس على ملامحي المتجهمة , و الأول هو وجود راكب آخر بجواره متجه لنفس العنوان ..

بعد أن جلست في مكاني خلف السائق و الراكب الذي بجواره و القيت عليهما تحية سريعة , تنبهت إلى حقيقة أنني أعرف هذا الراكب من قبل , فهو جاري في الشارع الذي أسكن به ,لاعب كرة قدم التقي به أحيانا في المسجد القريب و إن كنت لا اعرف اسمه , هو شخص طويل القامة بصورة مستفزة , و بشوش بصورة أكثر استفزازا ..

لم اكن في مزاج يسمح بإجراء أي حوار مع أي شخص فرغم سعيي للاستقالة منذ فترة كبيرة اعتراضا على الفساد المتوغل في المؤسسة التي أعمل بها و المعترف به من أكبر موظفيها و أصغرهم كإسلوب حياة منطقي غير قابل للتعديل او حتى النقاش , إلا إنني و بعد ان استطعت أخيرا أن أحصل على صك البراءة من هذه الطاحونة المفسِدة شعرت ببعض الندم , فترة السماح بالعدول عن الاستقالة الممتدة لإسبوعين كاملين فتحت شباك كبير لكل شيطان عابر ليطل منها على تفكيري و يقنعني بالرجوع في قرار الاستقالة و القبول بالامر الواقع و عدم التسرع و العودة إلى زمن راحة الجسم و وفاة الضمير , و نتيجة لتأثير الالحاح و ضعف الإرادة قررت الانحناء حتى تمر العاصفة و السير في اتجاه الريح و العودة إلى طاحونة الفساد ..

قررت عدم مناقشة الموضوع مع أي شخص و لذلك فضلت الصمت و ادعاء الإصابة بالصداع لأهرب من الحديث مع السائق و الراكب الذي بجواره ..كانا يتحدثان طوال الطريق عن مشاكل السائق و العراقيل التي يواجهها في حياته اليومية ما بين مشاكل مع المرور و كل ما له صلة بوزارة الداخلية باختلاف المكانة و الوظيفة ,فأقل العساكر شأنا قد يكون أسوأ من اكبر اللواءات في التعسف و الظلم , و بين مشاكل الطرق و الزحام بوجه عام ...

كان حديثا من طرف واحد , فالسائق يحكي و يشكو و ينفعل و يسب و يسكت أحيانا لالتقاط أنفاسه أو لالتقاط سيجارة من اعلى الشماسة الموجودة امامه , ثم يعود من جديد ليشكو و يسب و يشير أحيانا لشخص يمر بالطريق أو عسكري مرور يجلس قريبا من أحد الارصفة ليدلل على صدق معلومة ذكرها للتو متعلقة بسلوك الشعب او الشرطة ..

بالطبع لم تكن ثقافة السائق أو تعليمه تسمح له بشرح موقفه دون استخدام قاموس لغوي من الشتائم اكتسبه من طول فترة بقائه في الشارع و تعامله مع مختلف الطبقات على حد تعبيره , و على الجانب الآخر كان الراكب بجواره يستغل فترات الصمت القصيرة التي نمر بها عندما يتفرغ السائق للنظر في هاتفه المحمول دون ان يتصل بأحد او يرد على أحد , فقط يمسك بالهاتف الصيني و ينظر في شاشته الكبيرة للحظات قبل ان يعيده مرة أخرى للجراب المعلق في الزجاج الامامي , أقول أن الراكب كان يستغل فترات الصمت هذه ليحاول تهدئة السائق و تشجيعه على الصبر مع رفض الظلم و التدبر فيما يمر بغيره من المصائب التي قد تكون كل مشكلاته بجوارها مجرد أزمات عابرة لا تستحق حتى الشكوى .. موجها اللوم للسائق على انصياعه أحيانا _كما ذكر_ لدفع رشاوى و اكراميات لتجنب المشاكل , و مبديا دهشته من تبرير السائق ظلمه لبعض الركاب و الحصول منهم على اجرة لا يستحقها أو رفضه توصيلهم أماكن بعينها و هو الذي يشكو من ظلم الحكومة له ..

كنت على وشك التخلي عن فكرة عدم المشاركة في الحديث فقط لكي أصرخ في وجه هذا الراكب الذي ينتمي بالتأكيد لكوكب مختلف عن الكوكب الذي نعيش فيه , حيث لا مجال للصبر و التدبر , كنت أريد أن أخبره بأن هذا السائق يجب ان توجه له التحية لقدرته على التأقلم مع متطلبات الحياة و ظروفها التي ربما لو مر هذا الراكب المتكبر بها أو بأقل منها لأصبح اكثر تفهما و اقل حدة في الانتقاد , بل ربما امتدح ذكاء السائق الذي فهم سريعا الطريقة المثلى للحياة المريحة و وجد له المبررات أيضا للمشاركة في الفساد و الإفساد , فقليلين هم من يثبتون على مواقفهم عند الأزمات . . و لكننا كنا قد وصلنا لبداية الشارع الذي نسكن فيه حيث توقف التاكسي و حياني جاري طويل القامة مرة أخرى قبل أن يفتح الباب و ينتظر السائق الذي نزل هو الآخر و أنزل كرسيا متحركا كان موجودا فوق شبكة التاكسي و يفتحه ليساعد جاري على الجلوس فيه قبل أن يتركه و يغلق باب التاكسي و يستقر مرة أخرى مسرعا أمام عجلة القيادة لينطلق بي مرة أخرى لآخر الشارع حيث أسكن

الثلاثاء، 5 يونيو 2012

هريّ في المكان

احد البرامج الفضائية المشبوهه يفجر مفاجئة من العيار الخفيف بقرب ضرب الدولة بقنبلة ذرية بعد شهرين عن طريق جهة أجنبية مجهولة  و تنتشر الشائعة بسرعة في جميع المواقع و القنوات الإخبارية ...

تنتشر في جميع القنوات إعلانات الخط الساخن لمعرفة تعليمات التعامل مع القنابل بسعر 5 جنيه للدقيقة و إعلانات عن برنامج "القنبلة" لتحميله على الهواتف المحمولة ...

تتحرك الحكومة بعد مرور أكثر من ثلاث اسابيع و تناشد الشعب عدم الفزع و تعلن عن توافر كميات كبيرة من الدروع الواقية من القنابل بجميع المحافظات ...

تنشر صحف المعارضة صور ضوئية لعقود استيراد دروع منتهية الصلاحية من الخارج لصالح أحد رجال الاعمال المعروفين بانتمائهم الكامل للسلطة الحاكمة ...

تعلن السلطة الحاكمة أنها تقف على مسافة واحدة من جميع المستوردين ...

يصرح أحد المعارضين البارزين بامتلاكه لمستندات و وثائق تؤكد أن جميع الدروع الموجودة بالأسواق غير صالحة للاستخدام الآدمي ...

يعود البرلمان من اجازته ليتفرغ لمناقشة قضية الساعة و يصدر تشريعات حازمة . . بتجريم بيع الدواجن في فصل الشتاء ...

يبدأ المذيع المجنون سلسلة حلقات لإثبات المؤامرة العالمية على الدولة و سلطتها الحاكمة الرشيدة متهما القوى الثورية بامتلاك مصانع خفية لانتاج القنابل الذرية , مستضيفا الفنانة المشهورة لتتحدث عن رؤيتها في المنام لأحد المتظاهرين و هو يلعب بإحدى القنابل الذرية الذي ما أن رآها في الحلم حتى أخفى القنبلة وراء ظهره...

تستغل السلطة الحاكمة الفرصة للقبض على جميع المعارضين السياسيين بتهمة ترويج الشائعات الكاذبة ...


خروج مظاهرات حاشدة من المواطنين للمطالبة بإعدام المسئولين عن الدروع الفاسدة و بعد فترة من عدم اهتمام السلطات بهم يرتفع سقف مطالبهم للمطالبة صراحة بإعدام . . . المذيع المجنون

وزارة الداخلية تعلن اسفها للقبض على شخصين بالخطأ . . أثناء قيامها بقتل بقية المتظاهرين

تعلن القوى الثورية عن اجتماع لاختيار قيادة واحدة تمثلها تكون مهمتها . . قتل المذيع المجنون ...

تعلن السلطة الحاكمة أنها تقف على مسافة واحدة من جميع المجانين ...

يعلن المعارض البارز اكتشافه خطأ المستندات التي كانت بحوزته في اول تصريح صحفي له بعد تعيينه في منصب مستشار رئيس الحكومة لشئون القنابل الذرية ...

أحد علماء الوطن المغتربين بالخارج يصرح بعدم وجود ما يسمى "الدروع الواقية من القنابل الذرية"و يدعو الشعب لعدم تصديق كذب السلطة الحاكمة  أو نخبة مدعي المعارضة...

تفشل القوى الثورية في اختيار قيادة واحدة تمثلها و تعلن عن اجتماع جديد لمناقشة اسباب فشل الاجتماع الأول ...

الجرائد الرسمية تنشر صور العالم المغترب ممسكا في يده آلة حاسبة و المانشيت الرئيسي : نكشف بالصور مخطط تقسيم الوطن ...

تعلن السلطة الحاكمة مقر اجتماع القوى الثورية منطقة عسكرية محظورة ,مقررة اعتقال جميع القوى الثورية لتواجدهم في منطقة عسكرية دون إذن ...

تهتم جميع المواقع الإخبارية و جميع المحللين السياسيين و منظمات حقوق الإنسان بالتأثير الدولي . . لقرار منع بيع الدواجن في فصل الشتاء ...

في الميعاد المحدد سلفا يتم فعلا ضرب الدولة بقنبلة ذرية من جهة مجهولة و يموت الجميع ..

الاثنين، 4 يونيو 2012

مجاهد

" أحيانا تكون اعمارنا أقصر من عمر أحذيتنا " تذكرت هذه المقولة لأحد الفلاسفة و عندما فوجئت بشخص أعرفه يخلع حذاءه قبل أن يلقي بنفسه في النيل . . . كنت أعرفه منذ سنين , فهو الخبير الاستراتيجي المعروف الذي يجيد تحليل المواقف و الآراء دون تحيز أو تلفيق . . . "مجاهد "  السايس السابق بالجراج المجاور لمنزلي , هو رجل يدعي المعرفة و الثقافة كان يعمل سائقا بالاسعاف قبل أن يعتزل هذه المهنة لأسباب غير معروفة و يتفرغ لقراءة الجرائد و حراسة السيارات . . .

كان رجلا من طراز رفيع .. نتيجة لعوامل وراثية أو ربما لسوء التغذية الذي يعاني منه أغلب المصريين , كنت احب الاستماع لقصصه المليئة بالمعاني الجميلة التي اصبحنا نفتقدها في حياتنا اليومية , كالصدق و الامانة .. و بنزين تسعين , فكم هو سهلا الحديث عن إتقان العمل و الضمير الحي بينما انت جالس تقرأ الجرائد طوال النهار , لم أكن أميل لتصديقه حينما كان يؤكد دائما أنه قرر بإرادته الحرة ترك اكثر من مهنة كان يمكن أن تدر عليه أرباحا مجزية رفضا للغش و اعتراضا على النصب و المحسوبية و انعدام الضمير , فالجميع يستطيع أن يدعي البطولة و الشرف لتبرير الفشل . . .

لا نعرف حقيقة تركه الجراج و هل حقا هو الذي استقال لعدم قدرته على التعامل مع كائنات أقل منه إداركا و وعيا و تحملا للمسئولية  كما كان يزعم أم أن صاحب الجراج هو الذي طرده لما يعرف عنه من أنه كثيرا ما يثير المشاكل نتيجة لتهوره , و هو ما عرضه لحملة تشويه متعمدة من بعض البلطجية .. باستخدام ما توفر من الأسلحة البيضاء لاعتراضه الدائم على استخدامهم إحدى السيارات كغرزة متحركة , كان دائما ما يرفض أي نصيحة بالتهدئة و تكبير الدماغ تأتيه من العقلاء من السكان الذين لولا وجودهم . . . لاستمر في عمله دون مشاكل  على حد زعمه .

لم اكن افهم سر اعتراضه الدائم على ما الفناه من اوضاع صحيحة أو حتى خاطئة  في حياتنا , و كانت المرة الأخيرة التي أراه فيها عندما أخبرني بكل فخر أنه قد تقدم بشكوى ضد صاحب أحد الأبراج المكونة من عشرين دور نصفهم على الأقل تم بنائه بالمخالفة للقانون , و عندما سألته عن جدوى شكواه أو تأثيرها , أخبرني بابتسامة محبطة بأن الشرطة تحركت فور بلاغه و لم تهدأ قبل ان تطرده هو شخصيا من الكشك الذي كان قد حصل على ترخيصه بعد عناء ...

طردت كل مواقف الجدعنة التي أغرقني بها من رأسي مما ساعد الندالة و الرغبة في اللحاق بموعدي في التغلب على رغبتي  في محاولة انقاذه أو حتى ترتيب اجراءات الدفن و إبلاغ أهله مفضلا الانصراف , مدعيا عدم ملاحظتي للموقف كله , متخذا موقف غالبية مواطني الشعوب المديونة بطبعها من السلبية و إيثار السلامة , و بعد أن ابتعدت بالفعل لمسافة قصيرة فوجئت من بعيد ب "مجاهد " يخرج من النيل مرة اخرى حاملا طفلا صغيرا سقط بالماء و يسلمه لأمه التي كانت تقف صامته من شدة الفزع ,ليثبت من جديد قدرته على الانتصار و يزرع في نفسي احساس عارم بالضآلة بابتسامة الأمل المرسومة على وجهه بعد أن نجح في انقاذ الطفل من الغرق .


الجمعة، 1 يونيو 2012

واحد مننا

شعر ببعض الحرج عندما أمسك أبوه بصورة عفوية بيده أثناء عبورهما الطريق متجهين للجنتهم الانتخابية للادلاء بأصواتهم , فهو الآن رجلا في مقتبل العمر و مستقل عن والده منذ سنين و ربما لولا مشوار الانتخابات و تسجيلهما في نفس اللجنة الانتخابية لما تقابلا قبل نهاية الإسبوع , حاول أن يسحب يده بهدوء من يد والده و هو يقبض باليد الأخرى على يد ابنه الصغير الذي أصر على أن يذهب معه للانتخابات ليغمس اصبعه الصغير في الحبر الفسفوري مثل بقية أصحابه و هو ربما لا يفهم معنى الانتخابات أو مفهوم الديمقراطية ...

كلما اقتربت سيارة مسرعة قبض والده على يده اكثر و تراجع عن فكرة العبور انتظارا لمرور السيارة التي كان يرى الشاب أنها بعيدة بما يكفي لعبورهم الطريق حبواً ليصلوا إلى الطرف الآخر قبل أن تقترب منهم حتى , و بالطبع كان حرجه يزداد كلما جذبه والده للعودة للرصيف الذي يقفون عليه انتظارا لخلو الشارع ..

مرت دقائق ثقيلة و هم في انتظار خلو الشارع من السيارات و هو شيء شبه مستحيل في مثل هذا التوقيت من النهار الذي رغم ضيق الشارع لتعطل حارة كاملة بالسيارات المتوقفة في طابور طويل أمام إحدى محطات البنزين إلا أن السيارات كانت تسير بسرعة جنونية  من وجهة نظر والده و كأنها تحاول الهروب من هذا الشارع ملقية الرعب في نفس كل من تسول له نفسه فكرة العبور في أمان ....

لم يشأ ان يبدأ نقاشا جديدا مع والده في قدرته على عبور الطريق دون مساعدة فقد خرجوا للتو من نقاش شديد الحماس حول المرشح الواجب التصويت له في الانتخابات , فنتيجة لاختلاف خبراتهم و تجاربهم في الحياة كانت آراؤهم شديدة التباين و التباعد , فمن يراه هو الاصلح و الأفضل بل و الأجدر بتولي المسئولية , يراه والده مدعي و منافق و غير جدير بأي منصب , و بالطبع فشل في اقناعه بجرم اختيار مرشح معين , ففي دولة لا يوجد بها أي شفافية او تداول واضح للمعلومات , و في دولة يخضع تحليل رأي أي إعلامي فيها للرأي الشخصي في مواقفه السابقة و المتوقعة , يصعب الوصول لنتيجة قاطعة في أي نقاش و يصعب الامساك بأدلة ملموسة لإثبات أي وجهة نظر . . . فكل شيء إما خاضع لنظرية المؤامرة أو خاضع لنظرية قصر نظر الجيل الجديد و عدم تقديرهم للعواقب المترتبة على اختيارتهم المتهمة دائما بأنها عاطفية لا تخضع لتحكمات العقل ...

قرر التنازل عن فكرة ترك يد والده منعا لصدام جديد في الافكار و نقاش جديد بين جيلين أصبح واضحا صعوبة إيصال وجهة نظر كل منهما للآخر , و إن اظهر بعض الضيق من طول تردد والده في العبور و هو ما شعر به الأب فبادر بنفسه بترك يد ولده و العبور وحده  معاتبا له بنظرة تحمل الكثير من المعاني , وقف الشاب  مندهشا للحظات قليلة و هو يعيد التفكير في موقفه قبل أن يهم هو الآخر بالعبور قابضا على يد طفله الصغير , شعر بمقاومة من طفله للعبور الذي كان يجذبه للخلف و يحاول ترك يده هو الآخر ,  فتوقف لينهره دون تفكير بدافع الخوف و القلق , لتمر سيارة مسرعة من أمامه مباشرة ظهرت فجأة من طريق جانبي و كادت تصدمه لولا توقفه في هذه اللحظة ... أفاق من دهشته على صوت والده من الطرف الآخر من الطريق و هو يصيح بهلع ما لبث أن اختفى و تحول لابتسامة ساخرة و هو يشير للزجاج الخلفي للسيارة المسرعة و قد لصق عليه بوستر كبير للمرشح الذي كان ابنه يريد انتخابه

الثلاثاء، 15 مايو 2012

نيران صديقة

استغل فرصة وجودنا وحدنا في الأسانسير ليفتح معي حوارا ظنا منه أن كبر السن الواضح على ملامحي دليل خبرة و علم . . . دون مقدمات سألني عن توقعاتي للمستقبل . . . التطلع البادي في عينيه و الأمل المستمد من سنه الصغيرة هو ما شجعني على قتل طموحه و دفن أي رغبة لديه في الحياة الكريمة حتى أجنبه أي صدمة نفسية قد يتعرض لها عندما يكتشف تلك الحقيقة بنفسه . . .

مارست دوري المفضل كأفعى تتشر سموم الإحباط فيمن حولها و كعادة أي لاعب كرة سابق في استوديو تحليلي , نشطت غدة الإفتاء في مخي لتفرز نصائح و توجيهات تتلخص جميعها في أهمية القناعة و تقبل الفشل و الانصياع للواقع دون مقاومة . . . لم أنس أن أختم نصائحي ببعض الحكم منتهية الصلاحية _لإضفاء بعض الواقعية في كلامي و الإيحاء بأنني مؤمن بالرأي و الرأي الآخر _ عن وجوب التفكير خارج الصندوق و محاولة التغيير و لكن في إطار الممكن المتاح مع ملاحظة استحالة الخروج من الصندوق و عدم وجود إطار للمتاح لأن كل شيء غير متاح . . . كما ذكرته بأهمية السير في اتجاه الريح و تتبع خطوات السابقين . . . فهي دائرة مغلقة و طاحونة يجب أن ينصاع لها حتى لا تفرمه . . .

حاول أن يقاوم جرعة الإحباط التي قمت للتو بحقنها في إرادته , و قال بصوت هاديء بأن الحد الاقصى للقناعة هو أن ترضى بالحد الأدنى من كل شيء تبعا لأقوال الفلاسفة  و هذا دليل واضح على وجوب تحقق الحد الادنى من الحياة الكريمة حتى نبدأ مناقشة مفهوم القناعة و مدي أهميتها , ثم استعان باستنتاج احد الرحالة القدامى المشكوك في صحته بأن سكان استراليا الاصليين فشلوا في صنع أي حضارة لأنهم كانوا يمشون في خطوط مستقيمة حتى يسقطوا من الجوع و الشمس و قد اضطرت الدولة بعد ذلك أن تأويهم و تطعمهم و فشلت في تطويرهم , و هذا الاستنتاج و إن كان خاطئا فإنه يمكن أن يستخدم كمثال لخطورة الجمود في التفكير و تتبع القطيع و عدم تدبر الاخطاء الذي يؤدي إلى تكرار الفشل . . و تكرار الندم عليه أيضا . . .

لم يكن مخي مستعدا للمناقشة أو لاستقبال معلومات جديدة و كان مخزوني من جمل الإحباط و النصائح غير الصالحة للاستهلاك الآدمي قد نفذ , فتظاهرت بالاستماع له منتظرا خروجه مكتئبا من المصعد عند كل دور نصل إليه , و لكنه كان مصرا على استكمال المشوار معي إلى النهاية بروح مثابرة لم اتعود عليها من قبل , حيث انتقل للحديث عن هؤلاء الذين يحاولون أن ينصحوك و هم في الحقيقة يحاولون إحباطك لتبرير فشلهم الشخصي . . .

تذكرت شبابي و اختياراتي التي ظننتها الأسلم رغم علمي بخطئها , تذكرت ضميري الذي افتقدت تنبيهه لي منذ قررت السير مع اتجاه الريح , تذكرت فشلي في تحقيق أي هدف لحياتي بعد هروبي من المواجهة عند اول صدام , شعرت بإحباط غريب يتسلل إلي , غادرت المصعد فورا تاركا الشاب في حيرة تفسير هروبي المفاجيء , متمنيا تعطل المصعد و فشله في استكمال طريقه . . . للأدوار العليا

السبت، 12 مايو 2012

قعدة مع النفس

ربما رأى كثيرين يموتون حوله دون أن يتوقع أن تكون له نفس النهاية , ربما حتى لم يتعاطف معهم , لم يدرك أنه سيقتل مثلهم , كان ماشي جنب الحيط , كل همه لقمة العيش , يسعى طول الليل و النهار , و عمره ما اتكلم ف السياسة , لا أتحدث عن مواطن يعيش في إحدى الدول النامية . . بل عن صرصار عابر في المطبخ اغتلته منذ دقائق بفردة يمين لشبشب صيني غادر . .

لا أعرف لماذا تأثرت لوفاته , ربما لأننا أكلنا من نفس المبيد الحشري المعبأ في ثمرات الفاكهة , أو شربنا من نفس الكلور المخفف بالمياة , أو لأننا عشنا معا في نفس العمارة ذات الأدوار المخالفة الآيلة للصمود , ربما لأننا زرنا نفس اماكن التحرش المتحركة المعروفة بوسائل المواصلات ,أو لأننا تقاسمنا نفس السرير في مستشفيات الحكومة و نفس الدواء في المستشفيات الخاصة . . .

كمواطن شريف أخاف على مؤسسات منزلي و أحاول الحفاظ على استقرار مطبخي , حاولت البحث عن إجابة ترضي ضميري للسؤال المنطقي . . " و هو إيه اللي جابه تحت الشبشب ؟!". .
دوره في التخلص من المخلفات المتعفنة الذي لولاه لاختلت السلسلة الغذائية للإنسان نفسه لا تشفع له اقتحام سيادة منزلي , فما أكثر المخلفات في كل مكان ..ربما كان قراره المتهور بمحاولة التسلل لحدود بيتي بسبب إزعاج بعض معدومي الدخل له بالتفتيش في طعامه الذي وفرته له الحكومة في بورتريه بديع من اكوام القمامة التي تزين الشوارع أو تسببهم في اختناقات مرورية كبيرة عطلت سعيه في الحياة بنومهم على الأرصفة و في الخرابات , ربما جاء خوفا على جهازه التنفسي من التدخين السلبي الذي يتعرض له مرغما بالشارع من عوادم الشيشة و الغازات المسيلة للدموع . . .

طردت هذه الأفكار من رأسي عندما لاحظت ميلي للتعاطف مع هذا الصرصار الاهوج ,كيف أتعاطف مع كائن يعيش في بلاعة . . . بإرادته ؟! كائن يدعي أنه مسالم برغم انه ينقل الأمراض و الأوبئة من البيئة التي يعيش فيها لكوكبي النظيف الخالي من العيوب . . . . و إمعانا في الشدة قررت النزول فورا لشراء عبوة "مبيد حشري" لتكون سلاحا للردع . . فنحن لا يوجد أي تشابه بيننا . .

 لم استخدم المصعد لانقطاع التيار الكهربي , و لم أطلب المشتريات بالتليفون لتعطل الخدمة رغم سدادي للفاتورة , و بالطبع لم استطع استخدام هاتفي المحمول لضياعه أثناء المشاجرة التي نشبت في احد الطوابير اليومية المعتادة , تسللت في صمت على السلم تفاديا للمياه التي يلقيها أحد الجيران الذين على خلاف معي يوميا بمحض الصدفة أثناء نزولي , تفاديت الحفرة الكبيرة المملوءة بمياة المجاري الموجودة منذ شهور و التي لا يقع فيها سوى المغفلين . . . و كبار السن , غطيت أنفي بمنديل للتحايل على أمراض جهازي التنفسي  .. و أخيرا اشتريت العبوة بآخر ما تبقى من المرتب ..

 وقفت مزهوا للحظات بنجاحي أخيرا في الحصول على السلاح الذي أفرض به سيطرتي الكاملة على تلك الكائنات التي نسيت من هو صاحب البيت الذي تعيش في بلاعته و تتغذى على بواقي طعامه  . . .  انهارت البلكونة التي وقفت تحتها لحظات محدودة لأدخل في غيبوبة طويلة لا أذكر منها سوى صوت المهندس الذي استدعوه ليدلي بأقواله في محضر الشرطة  و هو يتساءل ببرود . . " و هو إيه اللي جابه تحت البلكونة ؟! "

الخميس، 10 مايو 2012

بواب الجمهورية

قطع إزعاج كلاكسات زفة في الشارع . . إزعاج جرس الباب المتواصل دون توقف , فتحت الباب غاضبا لأجد "ميدو" ابن البواب , سألته عن سبب زيارته المفاجئة  بعد أن رسمت ابتسامة عريضة بلهاء على وجهي  لإخفاء غضبي , فأجاب بمنتهى الاحتقار و بنظرة لوم لتأخري في فتح الباب . . " بابا عايزك تحت بسرعة " . . .

لا اذكر متى انقلبت علاقتنا كسكان للعمارة بالبواب ليصبح هو الآمر الناهي , في البداية اعتقدنا أن تأففه المتكرر من منظر العمارة و سكانها مجرد تنفيس عن غضب و سينتهي بمرور الوقت , و لكن العكس هو ما حدث , فعدم اهتمامنا  بإحساسه الزائد بالأهمية الذي دفعه لاهمال شئون العمارة و التفرغ لمراعاة مزرعة البانجو التي اقامها فوق السطح , هو ما جعله مع الوقت يصبح في موقف اقوى و اشجع على التعدي على بعض السكان بالقول مرة و بالشومة مرات , لاعنا في كل مرة العمارة القديمة المتهالكة التي تنازل و قبل أن يعمل بها رغم جهل و تخلف و إزعاج من يسكنوها المستمر له . .

مع استسلامنا للأمر الواقع لقلة عدد البوابين المتاحين و تقديرا لعواقب غضب أهل البواب و أصدقائه , زادت الأمور سوءا . . فأصبح يحدد لنا المواعيد المناسبة للدخول و الخروج من العمارة و عدد مرات استخدام المصعد كل يوم , كما قام بتعيين اخيه و ابناء عمه كمندوبين له للقيام باعمال التنظيف بأجور منفصله عن مرتبه . . .

انصرف "ميدو" سريعا من امامي بعد ان نظر باحتقار لأكوام الزبالة المتراكمة أمام باب الشقة معلنا ضيقه من الريحة و صاحبها , و لم أهتم أن اخبره بأن المسئولين عن تراكم القمامة هم المندوبين الذين عينهم والدك  فقد كنت مشغولا في التفكير بما قد يكون  بدر مني ليطلب والده مقابلتي , فلم يكن من المعتاد ان يرسل البواب في طلب أي ساكن في الظروف العادية , و ذلك لانشغاله الدائم بمؤتمرات القمة التي يعقدها مع بوابي العمارات المجاورة في الغرزة الدولية اللي على أول الشارع ..


بالتأكيد قد سمعني و أنا أشكو لأحد الجيران في الأسانسير من الزيادة التي طلبها في نسبته الثابتة من إيجار الشقة  و هي زيادة تتكرر كل شهر دون مبرر , سأنكر تماما أو أتظاهر بالجنون في حالة ان يكون الأسانسير مراقب بالكاميرات التي جمع منا مبالغ خرافية  لشرائها و لم نراها أبدا . .  زيادة في الحرص ربما استدعي جاري المحامي ليحضر معي , فعمله كمحامي سيساعده بالتأكيد في إنهاء إجراءات دفني سريعا إذا لم يصدق البواب مرضي بالجنون ...

زال خوفي عندما اكتشفت أنه استدعاني فقط ليسألني عن معنى الانتخابات الرئاسية التي يتحدث عنها الكثير من الناس بعد أن رأى البوستر الذي قمت بلصقه على العمارة دون إذنه , فأخبرته بإيجاز أننا سوف نختار شخص ليصبح موظفا عند الشعب لإدارة الدولة و تيسير أمور المواطنين , كان واضحا من تعبيرات وجهه أن مفعول سيجارة الحشيش في يده اقوى من حاسة السمع عنده  . . فسألني نفس السؤال مرة أخرى و كأنه يراني لأول مرة بعد ان افاق من لحظة إغماء قصيرة . . .
أدركت أن الشرح غير ذي جدوى فقلت باقتضاب إننا سوف نختار من يحكمنا ,و هنا ابتسم و قال باستنكار " تخيل إن الحمار اللي لزق البوستر على العمارة كان لسه واقف من ثانية واحدة هنا قبلك و قال إننا بنختار واحد يخدمنا " . . . لم انبهه إلى أنني نفس الحمار الذي يتحدث عنه ,فقط سألته إن كان قد فهم كلامي , فهز رأسه بالإيجاب . .  فابتسمت مردفا بيأس "تمام  تمام . . . أصل الحمار اللي شرحت له قبلك مافهمش "

الثلاثاء، 8 مايو 2012

علني للغاية . . . يوميات مشير

بحكم منصبه كأول حاكم منتخب . . . من الديكتاتور اللي قبله , كان يدير شئون مملكته بكل إخلاص . . . للي انتخبه , قدراته الذهنية و الإدارية لم تسعفه كثيرا في حل المشكلات التي تواجه مملكته , فكان دائما يستعين بوزيره العنيف "بدين" و الخبير الأمين بقانون الممكلة "شاهين " . . .
كانت أكبر مشكلة تواجه المملكة بعد فترة ليست قصيرة من حكمه هي نقص عدد الأيدي العاملة اللازمة لدفع عجلة الإنتاج . . . اللي استوردوها مخصوص علشان توزع لبن على المملكة ,

اقترح "بدين " إقناع كبار السن و الاطفال بالمشاركة الإيجابية مستفيدا بما يملكه من موهبة الإقناع المنطقي نظرا لبطولاته في رياضة . . . السحل مسافات طويلة _ و هي الرياضة الوحيدة التي تعتمدها المملكة كرياضة اوليمبية إسبوعية _ واعدا الملك "مشير " بنجاح منقطع النظير في المهمة و مقترحا عقد مؤتمر صحفي كبير يذاع في جميع الجزر المجاورة يعلن فيه من سيتبقى على قيد الحياة من المواطنين عن رغبتهم الدفينة في دفع العجلة و سعادتهم بقرار الملك منحهم هذه الفرصة العظيمة. . .

و لكن الوزير "شاهين " اعترض على فكرة انتهاك آدمية أي مواطن بالمملكة . . . دون سند قانوني , مذكرا الحضور بالضجة التي ثارت بعد التحرش الجنسي الذي تعرضت له كثير من النساء في المملكة على أيدي أبناء الملك و الفضيحة التي كانت يمكن أن تحدث لولا تداركهم الموقف قبل فوات الأوان و إصدارهم تشريعات صارمة . . . تبيح التحرش ,
و لذا كان يرى ضرورة الضغط على أعضاء مجلس السلطنة المعاون للملك للموافقة على قانون اعتقال من لا يشارك في دفع العجلة , متوقعا استجابة سريعة من الأعضاء بعد ادعائهم الرفض المبدئي كما حدث من قبل . . . عند اصدار قانون ذبح المعارضين .

تدخل الوزير "بدين " معترضا على إضاعة الوقت في تشريعات و قوانين لن تشكل أي فارق في رد فعل الرأي العام بالمملكة . . . المؤيد لأي انتهاك يحدث في سبيل توزيع اللبن المزعوم , مقترحا الاستعانة بخبرات المسحراتي الخاص بالملك الإعلامية لتذكير الناس بدورهم المهم . . . في خدمة الملك , و موقعهم المتميز الثابت . . . في عنق الزجاجة ,

عاد الوزير "شاهين" للاعتراض على رأي الوزير "بدين" مرة اخرى موضحا أن تقليله من اهمية القانون يرجع لعدم قدرته المتكررة على الالتزام بالحد الأقصى لعدد الضحايا الذي يتفقون على ان ينص عليه القانون في كل مرة و هو ما يضطرهم لإصدار شريعات مكملة لاستيعاب الاعداد الجديدة ,

استيقظ الملك "مشير " في نهاية اجتماعهم _الذي دام ثلاثة ايام_ على صوت شجارهم , و بعد أن شرحوا له _في إسبوع _ما حدث أثناء نومه بصورة مبسطة , قرر أن تتم الخطوتين في نفس الوقت , حيث تبدأ الاجتماعات التحضيرية للتشريع بالتزامن مع جهود مكافحة الحياة , على ان يلتزم الوزير "بدين " ب إخبار الوزير "شاهين " بالجدول الزمني للمجازر و العدد الإجمالي للضحايا بمجرد الانتهاء من حصره . . .
حتى إذا ما انتهى القتل , يكون القانون جاهزا . . . لتبريره

الثلاثاء، 1 مايو 2012

منتهى الصراحة

لم تكن المشكلة هي تخيلي لشخصيات وهمية تعيش معي و لكن المشكلة الحقيقية . . .  إننا بدأنا نتخانق , لم يتفهم الجيران سر هذا الصراخ المستمر كل ليلة و لم يتفهموا من هو هذا الحمار الذي عادة ما انهي صراخي بلعن غبائه , في البداية اعتقدوا أن هذه الهلاوس سببها إدمان المخدرات , و لم يبدوا أي اعتراض و تعاملوا مع الموضوع كأمر واقع , ماداموا قد تأكدوا إني مش مربي حمار في البيت ...

أفتى لي صديقي المقرب بأن هذه الشخصيات هي من صنع ضميري الذي يأس من إصلاح سلوكي فقرر أن يتشاجر معي بنفسه , و نصحني بالصدق مع الآخرين لتحسين علاقتي بضميري , فتختفي المشاكل .... بالفعل استجبت لنصيحة صديقي و اتضحت صحة نصيحته , من جانب واحد على الأقل , حيث اختفت مشاكلي مع ضميري و لكن ظهرت مشاكل من نوع آخر . . . فالناس غير معتادة على الصراحة في التعامل . . . فساءت علاقتي بجارتي العجوز عندما قررت أن أصارحها بعدم ملاءمة اسم أي حيوان للاستخدام ك اسم دلع لزوجها , خصوصا في اجتماع اتحاد ملاك العمارة . . .

 و الحق يقال أنه أيضا من غير اللائق التعامل مع كل ما يقوله الناس بأن هذا هو ما يقصدونه بالفعل ... كما تعلمت من تجربتي عندما غرقت البواب بنزين و أشعلت فيه النار استجابةً لطلبه المستمر .. للدخان

عاد صديقي للافتاء مرة أخرى بأن ما كان يقصده هو مراعاة ضميري في عملي المرتبط بمصالح الناس و لا مانع من بعض المجاملات في العلاقات الاجتماعية بالجيران و المعارف , حاولت فعلا تنفيذ ما قاله و قررت الامتناع عن تلقي أي رشاوي من عملاء البنك الذي أعمل به , و هي رشاوي لم تضطرني الظروف لقبولها سوى في فترتين فقط في حياتي ... فترة ما قبل الثورة .. و فترة ما بعدها , و حفزت نفسي على تنفيذ قراري بتذكيرها المستمر بقدرتي على الامتناع سابقا عن تلقي الرشاوي , عندما أغلقت البنوك أثناء فترة الثورة ....

بالفعل اختفت الهلاوس و تحسنت علاقتي مع ضميري بشكل ملحوظ , أو على الأقل أصبحت خلافاتنا أقل صخبا عن ذي قبل , و لكن ظهرت هلاوس جديدة , لا تتعلق بضميري هذه المرة , و لكن بضمير المحيطين بي , و انتهى بي الحال مفصولا من عملي , طريدا من منزلي  , مطلوبا من السلطات في قضايا اعتداء على بعض النصابين و التجار , حاملا لعلامات في وجهي من بعض الباعة أصحاب الاستعداد الفطري للاشتباك

شرحت هذه القصة لصديقي عضو مجلس الشعب عندما جاء لزيارتي في مستشفى الأمراض النفسية التي دخلتها بإرادتي للعلاج , مبديا دهشتي لتحمله عضويته الدائمة في لجان تقصي الحقائق التي يتم تكوينها بصفة مستمرة ,فالناس قد لا تتقبل الصدق , أو قد يكون هو نفسه غير قادر على تحمل نتيجة صدق الناس معه , كما أخبرته عن الشائعات المنتشرة في المستشفى عن اصابته بنفس مرضي  . . .  فأخبرني بصوت خفيض بأنه لن ينكر أنه  قد عانى من هلاوس ضميره في بداية انضمامه لهذه اللجان و لكن اصراره على البحث عن الحقيقة أدت إلى اختفاء هذه الهلاوس تماما . . . ثم نظر خلفه سائلاً الهواء  بصيغة استنكارية . . . "عاجبك الفضايح دي ؟!! "

الثلاثاء، 24 أبريل 2012

ملحمة الساقية

كعادته كل يوم , لعن مبارك اللي كان السبب فيما وصلت له البلد من فساد ,

اطلع سريعا على أحدث ما وصل اللاب توب بتاعه من عناوين الصحف ... و فيديوهات اليوتيوب ,

 تأكد  بشكل روتيني من عدم اختطاف أياً من اطفاله ,

شرب قهوته المخصوصة في  البلكونة ليستنشق جرعته الثابتة من السحابة السوداء ,

حفز نفسه بابتسامة تفاؤل ... و طبق فول كبير بينما كان يراجع ميزانيته و التي يخصص أغلبها _كأي مريض مصري يعاني من أمراض الضغط و الكبد و المفاصل و الجهل و الفقر _ لشراء ما يتوفر من عبوات ... الوصفة السحرية ,

شعر بسعادة طاغية لعدم زيادة المطبات الموجودة في طريقه المعتاد لليوم الثاني على التوالي ,

نظر في عيني اول ضابط صادفه في طريقه ليتاكد من بقاء حالة الطواريء ... و الانفلات الأمني ,

مارس عمله بهمة و نشاط ... إلى أن امتلأ درج مكتبه بالإكراميات , و غادر سعيدا لتأكده من عدم تأثر حنجرته من السجائر المحلية اللف بعد أن مارس هوايته في الصراخ في طوابير المواطنين المتوقفين امام مكتبه ,
 
كان مضطرا للتعامل مع وسائل التعذيب الملقبة بالمواصلات العامة نظرا لتعطل سيارته للمرة الخامسة بفضل قطع الغيار المضروبة و مهارة الميكانيكي ...شحيح الضمير ,

حجز مكانه المميز في الأتوبيس مطبقا نظرية البقاء للأقوى إلى أن اضطر أن ينزل قبل محطته بمحطتين امتثالا لنظرية ... كل قوي فيه الأقوى منه ,

وجدها فرصة مناسبة لممارسة رياضة المشي ... في المسيرات , بعد ان مر بالعديد من الاعتصامات الثابتة وجد مظاهرة محدودة تتناسب مع توجهاته ... ناحية محطة الاتوبيس , اندمج في الهتاف بكل حماس متناسيا ارهاقه و تعبه ... بعد أن لاحظ تواجد الكثير من كاميرات التليفزيون ,

أخيرا وصل منزله ليتاكد مرة اخرى من عدم اختطاف أيا من اطفاله , تناول وجبة خفيفة ... و استعد للنزول من جديد للحاق بعمله الإضافي  في مكتبه  المتواضع,

راجع خط السير الذي رسمه لتجنب أماكن البلطجة و السرقة ,تسلح بالعزيمة ... و سكينة المطبخ ,

وصل مكان عمله حيث استعان بكل قدراته على النصب و الفهلوة , ليغادر سعيدا بتجريده مجموعة جديدة من المغفلين من اموالهم ,

اتصل بمنزله ليتأكد من عدم اختطاف أيا من اطفاله ,

مر بأصدقائه المعتصمين بكافيه مجاور , انضم لمجالس التحكيم العرفية في مباريات البلاي ستيشن , استنشق ما تيسر من حجر الشيشة , لعن الشعب الذي يحتاج لفرعون يحكمه بالكرباج كنوع من إبداء الرأي مساهمة منه في الاستوديو التحليلي المقام من كبار رجال القهوة للتعليق على آخر ما اذيع .. من إشاعات , دفع القسط المعتاد من حسابه المتزايد و انصرف مغادرا ......

كان هذا هو جدوله اليومي بعد الثورة , و يمكنك ان تعيد قراءة المقال مرة اخرى من تحت لفوق لتتأكد بنفسك كيف ان ساقية حياته قبل الثورة كانت مختلفة . . . تماماً

الأحد، 22 أبريل 2012

الحكومة الإليكترونية

كنت أقضي وقتي منهمكا في العمل أسابق الزمن لكسر رقم قياسي جديد .. في السودوكو حين لفت نظري إعلان عن وظائف حكومية على أحد المنتديات على شبكة الانترنت ...

لم يكن ينقصني للتقدم سوى تجهيز أوراقي بصيغة إليكترونية معينة و حجم معين , فلا يوجد تقديم يدوي , في زمن العولمة و القرية الذكية كل شيء إليكتروني ...
كانت التعليقات المكتوبة على المنتدى توحي بما يدع مجال كبير لليقين أنني لست الوحيد الذي رأى الإعلان ... كان الموقع معطلا , فقررت قراءة التعليقات المكتوبة في المنتدى لمعرفة إذا كانت هذه المشكلة تواجهني وحدي ...

أول تعليق كان من "عمرو دياب" _كما توقعت من وضعه لبوستر ألبومه الأخير كصورة شخصية له , و إن لم أفهم لماذا كتب اسمه (ضياء البرنس) _ يقول : "اللينك مش بيفتح , الوظايف دي محجوزة و الإعلان ده مضروب ".... الأربع سطور التالية من التعليق كانت عبارة عن شتائم ,في وصفها بالبذاءة انتقاص كبير من قدرة (ضياء) على التعبير عن نفسه ....

التعليق الثاني كان من (الحب الضائع) و هي فتاة أجنبية لم تتجاوز الثالثة من عمرها تنظر إلى السقف في بلاهة متناهية , كما يتضح من صورتها الشخصية .... كتبت : "مشكلتي طيبتي الزايدة .. أنا انجرحت كتير " ... و هنا توقعت أن المشكلة بالتأكييد ليست في الموقع و لكن في العقليات التي تتعامل معاه ..

بعدها بأيام و بعد آلاف المحاولات الفاشلة لتقديم الأوراق كان كل ما يشغلني هو كيف يمكن ان يكون الموقع الإليكتروني لمؤسسة حكومية كبيرة معطلا كل هذا الوقت و لذلك لم اهتم بالتعليقات المكتوبة عن مستقبل تشيلسي و اعتزال ابو تريكة و حجاب نانسي و برجك اليوم و فيديو عجائب من ريف الهند و المليونية الإسبوعية لاسقاط النظام و اتصلت بالرقم المكتوب في الإعلان , و هو شيء ساهم بشكل كبير في رفع روحي المعنوية , حيث اتضح أن أرقام الهاتف هي الاخرى دائما مشغولة , إذا المشكلة ليست اليكترونية و الآي تي في مصر بخير , ربما كانت المشكلة في التواصل فقط ... و هنا تظهر أهمية دور الطب النفسي في حل مشاكل الانطواء

بعد عدة محاولات فاشلة و بعد ان أصبحت عادة صباحية بالنسبة لي بعد كوب النسكافيه أن اتصل برقم المؤسسة و بعد أن اصبح هدفي فضولي اكثر منه بحث عن فرصة عمل , ردت موظفة يدل صوتها على تجاوزها سن التسعين ببضع ساعات قليلة لتسألني في انزعاج : "خير ؟؟!! " ...

فرحتي بسماع صوتها كادت ان تقضي على رغبتي في الاستفسار و لكني تمالكت نفسي و سألتها عن العطل المزمن في الموقع الخاص بهم و ما إذا كان بسبب عدم دفعهم الاشتراك ام بسبب تشويش متعمد من إسرائيل لمحاربة التقدم التكنولوجي الوطني ؟؟ .. استنكرت سؤالي , ليس لأنها لم تفهم الجزء الأخير منه , أو حتى الجزء الأول , و لكن لأنها لم تعتد أن يسألها أو يتصل بها احد من الأساس ,, فقالت الرد الذي توقعت ان يفحمني _ و كأني أواسيها في وفاة شخص عزيز عليها _ "دي حاجات بتاعت ربنا " و قفلت السكة قبل أن يصبح الخط مشغولا من جديد .

عدت إلى المنتدى لأنقل لهم ما حدث و احكي عن المكالمة السريعة و هنا كان تعليق ( نوسة 2000) _و لا أعرف إن كان 2000 هو اسم أبوها و لا الموديل بتاعها _ قائلة بمنتهى الذكاء و الإيجاز العبقري : "مش كل حاجة تتهموا التعليم المجاني .. البقر بيجيلهم جنون و هما عمرهم ما دخلوا مدارس " ...

انشغلت بقراءة الرسائل الواردة على بريدي الإليكتروني و كان من ضمنها رد من مؤسسة أجنبية كنت قد ارسلت لها بعض الاستفسارات منذ يومين على الاكثر و فيه يعتذر المسئول عن التأخر في الرد مع إجابات مختصرة عن بعض تساؤلاتي و روابط لإجابات اكثر تفصيلا عن بقية التساؤلات مع دعوة مفتوحة لإعادة الاستفسار في اي وقت ....

عدت إلى الموقع المصري ابن بلدنا لأجد النقاش قد احتدم و اللينك مازال متعطلا , و كان التعليق قبل الأخير من ( الحب الضائع) التي لاحظت عدم تمكنها من استدرار التعاطف الكافي من تعليقها السابق فقررت تحويله من الصيغة الخبرية إلى صيغة السؤال لتتسائل بمنتهى الاسى و الرومانسية : " إزاي الواحد مايتجرحش تاني في الدنيا دي ؟؟ "

.. من بين الإجابات على تساؤل (الحب الضائع) التي نجحت في قراءتها _قبل أن تنقطع الكهرباء للمرة الخامسة_ كانت إجابة ( ضياء البرنس ) هي الأكثر إقناعا حيث قال :   " يبطل يمشي حافي "





الثلاثاء، 10 أبريل 2012

سنحيا كراماً . . . علامة استفهام

توحد الشعب على رفض الظلم و الفساد , فأطاح بالديكتاتور الذي تجبر لعشرات السنين  , ثم جاء نفس الشعب بنائب المخلوع _ الرجل العسكري المخضرم _ ليصبح اول رئيس جمهورية منتخب بمنتهى النزاهة بعد الثورة السلمية . . . . في اليمن .

قطع قراءتي للخبر صوت فرامل قوية أطلقها سائق الميكروباص الذي اركبه , مصحوبا بكمية غير آدمية من الشتائم المسيلة للدموع الموجهة لسايس على عربية كارو تجرأ و ظهر فجأة من تقاطع فرعي أمام الميكروباص ليسمع _ هو و جميع الركاب و سكان العمارات المجاورة_ شرح تفصيلي لشجرة عائلته الكريمة كما يحسبها سائق الميكروباص ..

غضب سائق الميكروباص شيء لا يستهان به , فهو يمثل تجسيد حي لنظرية عدم الفصل بين السلطات , هو السلطة التشريعية المسئولة عن تحديد كل ما يتعلق بالرحلة من قوانين بدءاً بالمدة الزمنية و السرعة المستخدمة و خط السير و قيمة الأجرة تبعا لمستوى الأزمة الإسبوعية في البنزين و ليس انتهاءاً بتعليم جيرانه في السيارات المجاورة الإسلوب الامثل للقيادة و الطريق الذي يجب عليهم اتباعه تبعا للفراغات الموجودة بالشارع , مستخدما في إيصال وجهة نظره كل الصلاحيات المتاحة له من إشارات ضوئية أو سمعية أو حتى يدوية ...  كما أنه يمثل السلطة التنفيذية المسئولة بشكل مباشر عن عدم رد باقي الاجرة للركاب باستخدام حجة ثابتة لا تهم مصداقيتها من عدمه و هي عدم وجود فكة  .... كل ذلك يتم تحت مظلة من تواطوء السلطة الرقابية عليه من امناء الشرطة و عساكر المرور نتيجة لترهيبه لهم مرة أو تفتيح مخه معاهم .. مرات

مجموعة كبيرة من الركاب رأت ضرورة إعلان تأييدها لتصرف السائق , و هو من وجهة نظرهم وسيلة مضمونة للاستقرار في وسيلة مواصلات تحميهم من خطر مستقبل مجهول قد يقضونه في انتظار وسيلة أخرى فرصها في أن تكون مثل الأولى أقل بكثير من فرصها في أن تكون .. أسوأ .. , كما أن هذا التأييد يتكرر في جميع المواقف لدرجة لا تستطيع أن تحدد بها إن كان هذا الرضا الدائم من الركاب سبباً لجشع السائق و سطوته في معاملة الركاب . . . أم نتيجة له

قطع السائق من جديد سباقهم في نفاق شهوته في الشتيمة , بجملة موجزة عبر بها من موقفه من الساسة في بلدنا المصون .. "العربية الكارو بيتحكم فيها حمارين .. واحد منهم بس اللي بيجرها "... لم أناقشه في رأيه تعاطفا مع ما كان يوشك ان يقع من حادث أليم .. لسيارته و محل عمله , و اقتناعا بعدم جدوى الدفاع عن السايس , خصوصا بعد فشلي منذ بداية الرحلة في اقناع السائق بخطورة ما يفعله . . . من السير في عكس الاتجاه ...

بعد أن هدأ السائق قليلاً , بفعل علبة السجائر التي أعطاها له أحد المحاولين امتصاص غضبه لتمر الرحلة على خير . . أخبرته بكل هدوء بأن تشبيهه للسايس بالحمار لا يليق مهما حدث , فهذا به ظلم كبير .. للحمار , فالحمار قد يكون مجبرا على الإذعان لرغبة السايس في الانعطاف خوفا من بطشه أو لنكن أكثر دقة  . . خوفا من بطش الكرباج الكائن في يده

سألني مستنكرا _ بعد أن نجحت علبة السجائر في تنبيهه لوجود بني آدمين معاه في الميكروباص _ و ما يدريك أن الحمار رافض لتحكم السايس به ؟؟ كيف عرفت و أنت تجهل لغة الحمير أن الحمار يرفض الظلم و الضرب ؟؟ بل ربما كان هو من دفع السايس لتوجيهه لهذا لاطريق المختصر ليريح نفسه من عناء إكمال الطريق حتى الوصول لنقطة آمنة يستطيع الانعطاف منها دون خسائر !!

تظاهرت بالانشغال بالخبر الذي كنت أقرؤه حتى أوقف النقاش دون أن أخبره أن الفرق الوحيد بينه و بين السايس هو في نوع موتور الدابة التي يركبها , ليس لأنه كان واضحا من هجومه على الحمار أنه مقتنع بذلك في قرارة نفسه , و لكن لأن هذا كان سيتضمن اعتراف صريح بعدم وجود فرق بيننا نحن الركاب و بين . . . الحمار

الاثنين، 2 أبريل 2012

الديكتاتور

اجتمع الديكتاتور مع مستشاريه لبحث المستجدات في أمور المملكة  و سماع آخر قصائد النفاق التي نظمها أخلص المستشارين لمكافأتهم و اقتراح اسماء أحدث المعارضين لإعدامهم ...
فوجيء الديكتاتور و من معه بمظاهرة غاضبة ضخمة وصلت فجأة أمام القصر لم يخبره بها قائد الأمن ,الذي كان دائما يؤكد له خمول الشعب المشغول بالأزمات و الراغب بالاستقرار    ...
تذكر الديكتاتور شبابه و كيف وصل لعرشه عن طريق ثورة مماثلة قادها على الديكتاتور السابق له , و لكن ثورته نجحت نظرا لغباء من سبقه و عدم استجابته لمطالبه مما ساعده على إقناع اتباعه بالتصعيد العنيف ضده و الإطاحة به في وقت قصير ...
قرر ألا يعاند القدر و أن يستجيب لشعبه حتى لا يرتكب نفس خطأ من سبقوه ...
أمر بإعتقال مسئول جمع الضرائب نظرا لظلمه الشديد و تعاطفا مع ظروف الشعب الصعبة  مع تخفيض راتبه الخاص كحاكم للمملكة ليصبح نصف مواردها فقط ...
قرر طبع نسخ جديدة من الدستور بعد اختفاء جميع النسخ في ظروف غامضة في أعقاب ثورة فاشلة حدثت منذ عدة أعوام ...
قرر الإفراج عن كل المعارضين الذين مازالوا على قيد الحياة بمجرد العثور على المعتقلات التي سجنهم فيها قائد الأمن الذي أعدمه بمجرد سماع صوت اقتراب المسيرة...
أمر بصرف رواتب للشعب تكفيهم لشراء الغذاء و الملبس بعد ملاحظته ارتفاع نسبة الوفيات بسبب الجوع و البرد عن الممالك المجاورة ...
أصدر قرارا باستبعاد ابنه الكبير من مجلس إدارة المملكة مع تعيينه مديرا للمصانع التي ستبيع الغذاء و الملبس للمواطنين .. 
أصدر مرسوما ملكيا بتوفير الدواء اللازم لعلاج المرضى من الشعب و إلغاء مرسوم سابق كان قد أصدره يقضى بإعدامهم لمنع انتشار الأمراض...
أعلن تحويل أكبر قصوره لمدرسة و استقدام مدرسين من خارج المملكة  منهيا بذلك عصر اقتصر فيه التعليم على ابنائه و ابناء مستشاريه وحدهم ... مع البدء في تنفيذ المشروع بمجرد انتهاء المجاعة السنوية و حصر المتبقي من المواطنين على قيد الحياة...
ألغى قانون اعتقال كل من يشتبه في تورطه في التعليق على القرارات الملكية و أصدر قانون يقضي ببطلان اعدام كل من حاول الفرار من المملكة مع تعويض ورثتهم  بمجرد خروجهم من السجون ...
قرر اجراء استفتاء شعبي عام لاكتشافه اهمية رأي الشعب في اختيار الحكومة التي تدير شئونهم مع الوعد بعدم التزوير أو محاولة فرض السيطرة عن طريق البلطجة أو الرشاوى ... و لكن قصر حق التصويت للمتعلمين فقط ..
منح الهاربين من أحكام السجن بسبب الديون فرصة التوبة و قرر أن يقوم بنفسه بسداد ديونهم حرصا على مستقبلهم مع الوعد بالإفراج عن أولادهم بمجرد أن يقوموا بتسليم أنفسهم ...
أعلن بكل شفافية صعوبة القضاء التام على التعذيب في مقرات الأمن مع الوعد بتقنينه و حصره في قضايا الاعتراض على نظام الحكم ....
قرر إصدار جريدة رسمية تتحدث ب اسم المملكة و تنقل أخبارها و آراء المواطنين الشرفاء بكل حيادية و أمانة دون أن تتصدر صوره و اخباره صفحاتها , على أن تطبع مرة واحدة كل عام و يحظر تداولها او نشرها خارج القصور الملكية ...
فصل جميع اقاربه من المناصب الهامة في المملكة  الذين ظلوا يشغلونها لمدة عشرين عاما و أعلن عن مسابقة لاختيار من يشغل تلك المناصب بمنتهى الشفافية مشترطا عشرون عاما من الخبرة كحد ادنى ...
قرر منع المهرجان السنوي لضبط النفس و الذي كان يقام كل عام للاحتفال بالدفعات الجديدة من رجال الامن و تحديد حد أقصى للوفيات في المظاهرات من يتعداه يدفع غرامة قد تصل لربع مرتبه الأسبوعي ...
منع منعا باتا ابناءه من التصرف في الاحتياطي الاستراتيجي للمملكة دون موافقة شخصية منه  و يعاقب المخالف من ابنائه بالحرمان من دخول الخزانة العامة للمملكة لمدة شهر ...
طلب بمنتهى التواضع من قائد المظاهرة ان يقبل بأن يكون اول شخص يعينه نائبا له ليساعده على القيام بإدارة أمور المملكة التي لم يعد يقدر على القيام بها وحده نظرا لسنه المتقدمة ....
فرض الأحكام العرفية لاغيا كل القرارات السابقة بعد أن رفض قائد المظاهرة تولي أي منصب و شكر الديكتاتور على حسن الضيافة التي قضت على غضبه هو و اقاربه من حرارة الجو و صمم على استكمال مسيرته إلى  بلده في المملكة المجاورة ....  حيث كان متجها بالأساس .

الخميس، 29 مارس 2012

رسالة


أمي الوحيدة ,
رغم علمي باستحالة تبادل الرسائل بين الأحياء و الأموات إلا إني قد تذكرتك في عيد الأم و قررت أن أحكي لكي ما قد لا تكوني تعرفيه , داعيا لكي بالرحمة

صباح عيد الأم الماضي قررت الاستسلام للأمل و فكرة المحاولة من جديد , ارتديت أفضل ثيابي , التي لا أملك غيرها بالأساس , طردت من رأسي كل الأفكار السلبية  و هي أهم خطوة من خطوات النجاح كما قرأت في احد كتب التنمية الذاتية

....
خرجت من البيت للبحث عن عمل أو فرصة عمل _كما يسمونها تعليقا على صعوبة إيجادها _ , لم أصدق نفسي عندما وجدت إعلان معلق بالمترو يطلب أفراد أمن بمرتبات مجزية لأصحاب العمل , مخزية للعاملين , أخرجت هاتفي لتسجيل الرقم المكتوب , أدى اندفاع الناس أثناء الدخول و الخروج إلى وقوع الهاتف مني قبل إكمال حفظ الرقم , بعد أن هدأت حركة الناس بحثت عن الهاتف , لم أجده , و الأسوأ أني لم اجد الإعلان , حيث قام أحد ولاد الحلال بنزعه أثناء إنشغالي بالبحث عن هاتفي الضائع . . .
لم أحزن لفراق الهاتف , فهي لم تكن المرة الأولى , و لم أحزن لاختفاء الإعلان , فهي لن تكون المرة الأخيرة ,,

 اندهش من حولي للسعادة المرسومة على وجهي , فقد اتخذت قراري من بداية اليوم بأن الإيجابية و الأمل هما مفتاح النجاح , لن أتصرف مثل أغلب من ينتمي لطبقة منخفضة الطموح ,عالية الضغط , مطحونة , و ألعن الواقع مستخدما قاموس واسع من الألفاظ و الإشارات التي لا تحتاج أن يكون الشخص دارسا للغة الإشارة لكي يفهم مدلولها ,

بكل تهذيب و ثقة أعلنت رأيي فيمن نزع الإعلان متمنيا له دوام الاختفاء حرصا على نفسه مما قد أفعله به , و بالطبع أثنيت على من أخذ الهاتف واصفا إياه بكل ما اسعفتني قلة أدبي في تذكره من حيوانات ....

في الظهيرة لم أجلس في مكاني المعتاد في القهوة , فأحد اهم مفاتيح النجاح هو تغيير عاداتك الثابتة ... جلست في ركن آخر , شجعت زملائي الجالسين معي في نفس القهوة على التحرك و محاولة إشعال شمعة بدلا من لعن الظلام , اقترحت ان نقوم بقطع الطريق الذي يمر منه السيد وزير التموين و خطفه مع التهديد بقتله كويسلة سلمية للضغط على الحكومة , لم يلاقي هذا الاقتراح قبولا لديهم نظرا لأن الخطف سيتطلب مصاريف لا نتحملها ... كما ان كل الطرق القريبة مقطوعة بالأساس لمطالب لسنا طرف فيها ... فانتقلت إلى الخطة البديلة ... خطف وزير البيئة .. بدأوا في الانصراف عني واحدا تلو الآخر خصوصا بعد أن اخبرهم أحد المتسولين _الذي كنت أعطف عليه _بالهدية التي أعطيتها له و هي كتاب .... " نباتات الزينة ,ديكور البيت العصري

قررت الابتعاد عن كل من يحاول إحباطي , خصوصا من ادين لهم بالمال , كان المساء قد حل , فتوجهت إلى صيدلية صديقى لأشتري لكي الدواء المستورد غير الموجود بأي مكان و الذي يضطر صديقي مشكورا لتهريبه و بيعه بالسوق السودا _لحل أزمة المرضى _,بأربع أضعاف ثمنه الأصلي ..لحل أزمته الشخصية ..قبض عليا أحد المخبرين أثناء شراء الدواء ,ليس لأن الدواء مهرب من الخارج , و لكن لأني رفضت دفع الزيادة في الأتاوة التي طلبها  ,و اصطحبني إلى القسم موجها لي تهمة التهريب و التستر على جريمة و التخطيط لهدم الاقتصاد المصري ...

أمي الوحيدة في الدنيا بعد وفاتي, أؤكد لكي كذب ما كُتب في تقرير الطب الشرعي عن ابتلاعي حذائي أثناء التحقيق معي بالقسم ... بإرادتي
,

الجمعة، 16 مارس 2012

الكابوس

اتجه إلى مجال تفسير الاحلام في البرامج التليفزيونية بعد حل الحزب الذي ينتمي له و غلق الجريدة التي كان يرأس تحريرها ... اكتسب شهرة واسعة في تفسير الاحلام نتيجة لخبرته الطويلة في نفاق المسئولين التي أكسبته مهارة بيع الوهم للناس استغلالا لحقيقة أن معظمهم لا يعرف الألف من ..عصا الأمن المركزي ...

في بداية عمل "الأستاذ" التليفزيوني كان يظهر ضيفا مع مذيع يسأله و يعرض عليه أحلام المشاهدين ليفسرها ... و بعد فترة ليست بالطويلة , و بعد عمليات تجميل ليست بالناجحة تماما  ,و بعد استخدام صبغة شعر ليست محلية الصنع ,و لأن العولمة كما جعلت العالم قرية صغيرة جعلت القرية  أيضا عالم كبير .. فقد أصبح "الشيخ " نفسه المذيع و المخرج و عامل السويتش الذي يستقبل المكالمات على الهواء مباشرة ...

كانت الأحلام تأتي عبر الهاتف عادية مثل كل الحلقات ... فتلك فتاة تحلم بالفارس الذي يخطفها على جواده الأبيض...ليطلب فدية من والدها الذي بدوره يرفض الدفع , فيقتلها الفارس و تستيقظ مفزوعة من النوم .... و قد رد عليها " الشيخ " بأن القتل بعد الخطف خير ... و هذا الأستاذ الجامعي الذي يحلم بنفسه و هو يشنق أحد الطلبة في لجنة الشفوي ليكتشف من الكارنيه أنه ابن رئيس القسم ,فيحاول انقاذه و لكن بعد فوات الأوان.. و يشجعه الشيخ بالقول أن محاولة الإنقاذ و إن كانت متأخرة فهي تدل على وجود بذرة الخير بداخله

كانت المكالمة الأخيرة _ليس في الحلقة فقط , بل ربما في حياة "الشيخ " ككل _ من أتخن مسئول رفيع في الدولة ... رفض كتابة اسمه على الشاشة مكتفيا بظهور الرموز الأولى فقط و هي كفيلة بإلقاء الرعب في نفوس المشاهدين ... تحدث بلهجة تحمل مزيجا من الغضب المكتوم و الإحساس بنكران الجميل ليحكي الكابوس الذي يتكرر كل ليلة و يتلخص في وجود مزرعة كبيرة يحكمها أسد عجوز يقوم بعض القلة من الحمير بالتمرد العنيف على طاعته و مهاجمة بعض الحيوانات الصغيرة و رفض المشاركة في أعمال النقل و الزراعة , مطالبين بمعاملة تليق بهم و نهر منفصل للاستحمام بعيدا عن بقية الحيوانات التي لا يستفيد منها سوى آكليها و تمكين قائدهم من الإشراف المباشر على توزيع البرسيم بما يكفل لهم النسبة العظمى العادلة من وجهة نظرهم ,مما اضطر الأسد للدفاع عن مزرعته و طرد قائد الحمير منها ...

اختفى " الشيخ" تماما بعد هذه الحلقة , حيث أدى اندفاعه لتأييد موقف الأسد و مهاجمة الحمير و تفكيرهم في الاستيلاء على المزرعة إلى عدم سماعه للجملة التي ختم بها المسئول مكالمته و هي أن المشكلة التي تؤرقه ليست في تكرار الكابوس كل يوم و لكن أنه في كل حلم يرى نفسه ..... قائد الحمير