الخميس، 25 يوليو 2013

طرو صطوري

الحمار: السلام عليكم

الأرنب : و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته , اتفضل أهلا وسهلا

الحمار: الحقيقة مفيش وقت كتير نضيعه في المجاملات دي , أنا جايلك في موضوع مهم

الأرنب : خير ؟!

الحمار: السلحفاه بتعرض عليك ألف ربطة خس و تعمل نفسك تعبت و نمت في نص السباق النهارده لحد ما هي تكسب ..

... الأرنب : انت فاهم انت بتقول ايه ؟؟

الحمار : نزود 2 كيلو جزر

الأرنب : انت عايزني أخسر سباق هيحضره كل الحيوانات تقريبا علشان شوية خس و جزر

الحمار: خلينا واقعيين .. كده كده انت معروف إنك مغرور و شايف نفسك على الحيوانات اللي معظمها نفسه يشوفك خسران حتى لو ده مستحيل , و لو انت رفضت العرض , ألف ذئب هيقبل بأقل من كده و يستناك في أي مكان في السباق و يخلص عليك أو على الأقل يتحفظ عليك لحد ما السباق يخلص و السلحفاة تكسب

الأرنب : حيوانات حقيرة مفيش فيها حيوان واحد وافق يدخل السباق ضدي غير السلحفاة اللي باعتاك دلوقتي علشان تهددني

الحمار : أرجوك بلاش غلط , خلي بالك إن القصة دي هيقراها اطفال كتير بعد كده علشان يتعلموا منها قيم العمل و الاجتهاد و عدم اليأس و عدم الغرور و بلا بلا بلا .. و لازم تفضل بدون شتايم

الأرنب : بس ألف ربطة خس ده قليل أوي ... انت عارف الدولار بكام انهارده ؟؟

الحمار : بلاش نلف و ندور على بعض كتير , أنا عارف و انت عارف انك وافقت تدخل السباق من الأساس علشان الأسد وعدك ب 400 ربطة خس لو انت قدرت تكسب السلحفاه اللي هي الحاجة الوحيدة في الغابة اللي ماقدرش ياكلها , جاي دلوقتي تقول الألف ربطة قليلين ؟؟

الأرنب : بما اننا بنلعب ع المكشوف و بما إني لو سمعت كلامك يبقى لازم أشوفلي غابة تانية أعيش فيها يبقى لازم آخد الخس اللي يكفيني لحد ما أستقر في مكان تاني

الحمار : ثانية واحدة أعمل تليفون ... آلو , أيوة أنا معاه دلوقتي , مفيش مانع من حيث المبدأ بس عايز المبلغ يزيد شوية .. (مضيفا بصوت منخفض: ممكن نزود تمن التذاكر ده غير المبالغ اللي هنكسبها من مشاركتك في أي سباق بعد كده بعد ما تكوني علمتي على الأرنب و الشهرة اللي هتخديها بمجرد ما الفيديوهات تترفع على اليوتيوب ) خلاص تمام , انا هتصرف

الأرنب : انجز علشان عايز استعد قبل السباق

الحمار : السلحفاة وافقت تضاعف الكمية بس بشرط , الموضوع ده يفضل سر و لو أي حيوان أخد خبر بيه هتبلغ الأسد إنك إنت اللي عرضت عليها تخليها تكسب علشان تكسر هيبته

الارنب متكئا على ظهره في نشوة : اعتبره حصل يا كبير

الاثنين، 3 يونيو 2013

في حضرة النهضة

تمر الساعات دون انقطاع التيار الكهربي , خاف أن يكون مرض عقلي قد أصابه و هو ما يصور له وجود كهرباء , يضغط زر النور ليغلقه و يفتحه مرة أخرى غير مصدق عينيه و هو يرى الغرفة  تظلم و تضيء استجابة له , ينظر إلى التكييف المعلق في سماء الغرفة يبث هواءه البارد كدليل واضح على وجود كهرباء , إذن فهي حقيقة يجب أن يتعامل معها , يوجد تيار كهربي , بدأ يفكر في هذا الواقع الذي لم يتعوده , كان عليه أن يعدل برنامجه اليومي بما يتناسب مع هذا التطور غير المألوف , الآن يجب عليه أن يتخلص من الشموع التي اشتراها و التي كانت تضفي المزيد من الرومانسية على ديكور منزله , يمكنه أيضا أن يبيع المولد الكهربي الذي كانت مهمته الأساسية هي توليد الضوضاء مصدرا بعض الكهرباء أثناء تشغيله , بدأ يفكر في الأنشطة الجديدة التي يجب أن يمارسها ليملأ فراغ الساعات التي كان يقضيها دون فعل أي شيء أثناء انقطاع الكهرباء ,الآن أصبحت ساعات بطالته مضاعفه ,  بدأت أعراض الإحساس بآدميته تظهر عليه من جديد بعد أن شعر بقدرته على الاختيار الحر بين تشغيل الأجهزة الكهربائية أو إيقافها , الآن أصبح مواطنا له قيمة أعلى من قيمة فولت الكهرباء , يمكنه القراءة ليلا , يمكنه غسل ملابسه بدون مجهود , أزال الأتربة المتراكمة على الكمبيوتر الشخصي الخاص به و أزال بعض خيوط العنكبوت التي كانت قد تكونت عليه , الآن يمكنه استخدامه في كل الأوقات , ربما في وقت لاحق يعيد شراء التليفزيون و بعض الأجهزة الأخرى التي كان قد تخلص منها لاعتمادها على الكهرباء في تشغيلها , فعل ما كان يجب أن يفعله بمجرد اكتشافه وجود تيار كهربي فقام بتصوير نفسه و نور الغرفة مضاء ليحتفظ بالصورة في ألبومه الخاص تحت عنوان "لحظات تاريخية" .. الآن يستطيع أن يرفع عينيه في وجه أي شخص من أي دولة تمتلك الكهرباء بشكل دائم , المشكلة الآن في ظهور تحديات جديدة يجب أن يتعامل معها , عليه الآن أن يكون اكثر حرصا أثناء تعليقه للغسيل على سلك الكهرباء كما اعتاد أن يفعل في السابق , و لكن وجود تيار كهربي دائم يستحق التعب , قرر أن ياكل شيئا سريعا قبل أن يخرج للانضمام للجماهير المحتشدة بالتأكيد للاحتفال بوجود الكهرباء , فتح الثلاجة منبهرا بإضائتها التي لم يعتد رؤيتها منذ زمن , القى بالاطعمة التي فسدت في القمامة فلم يتبق ما يأكله , لم يكن يملك من المال ما يكفي لشراء طعام جديد بعد غلاء الأسعار و انهيار العملة المحلية و اختفاء كل السلع الحيوية من الأسواق , تذكر الدواء الذي لا يستطيع دفع ثمنه و الأمراض التي يكتسبها مجانا, تذكر البطالة التي يعاني منها  و تخلف كل المحيطين به الذين يجب عليه التعامل معهم  , تذكر حياته المنهارة و آدميته المنسحقة في وسائل المواصلات و الشوارع التي تمشي بها وسائل المواصلات , لعن الكهرباء التي أدى ظهورها لتذكيره بكل المشاكل التي كان قد تناساها و اكتشافه لقيمته الحقيقية لدى من يحكمونه ... قرر أن يعود للحياة التي يرى من يحكمونه أنها تليق به , توجه إلى لوحة التحكم الرئيسية في الكهرباء... و قام بفصلها  

الثلاثاء، 5 مارس 2013

الطابور

هو شخص لا ينفعل ولكن يساعد على الانفعال، لا يكتئب ولكن يساعد على الاكتئاب، يرى الأمور على طبيعتها _المتشائمة دائما _، يعيش الحياة كأنه يعيشها للمرة الثانية والأخيرة، كأنه رأى كل شيء وعرف كل شيء وحياته مجرد وقت يقضيه حتى يصل للحظة معينة ينتظرها. لقبناه بـ"المفكر" لأنه دايما بيفكرنا بالماضي المظلم الذي عشناه والمستقبل الأكثر إظلاما الذي يتوقع أن نعيشه.

كان غريبا أن يطلب أن يلتقي بنا بعد مضي فترة كبيرة لم نقابله فيها، كان مريضا طريح اللاب توب، يتناول دواء غير معروف بشهية غير آدمية، بمجرد وصولنا له- اعتدل في جلسته ونظر لنا نظرة من النوع الذي يطلق عليه "ذات مغزى"، فنظرنا له نظرة من النوع الذي يطلق عليه "خلص في ليلتك".. لم يدم صمته طويلا، أخبرنا بأنه أراد أن يلتقي بنا رغبة منه في إخبارنا حلما ظل يؤرقه لفترة طويلة، كان يريد أن يتخلص من عبء كتمان شعوره باقتراب النهاية، حاولنا إقناعه بالعدول عن فكرة اقتراب النهاية لرغبتنا في الانصراف سريعا، حاولنا إقناعه بالتمسك بالأمل.. في أن نعود مرة أخرى للاستماع له، باءت كل محاولاتنا بالفشل لشعورنا بالتعاطف معه وإغلاقه الباب علينا بالمفتاح.

 كان يرى نفسه "محشورا" في طابور طويل مزدحم "محشور" بدوره في زجاجة. كانت الساعة معطلة والوقت يمر بطيئا قبل أن يتقدم الطابور خطوة مبتعدا عن عنق الزجاجة حينما انتبه الجميع لصوت الدبابة وهي تسحق بعض الفئران التي ضلت طريقها وسط زحام الطابور وهي تتسابق للانقضاض على رغيف خبز ملقى على أرضية الطابور، هنا اعترض الميكروفون من مكانه وسط الطابور على ما قامت به الدبابة محملا كرسي الحكم مسئولية ما حدث.

لم يملك جركن البنزين الفارغ الطاقة الكافية للاعتراض ولكن رد زجاجة المولوتوف جاء حارقا عندما ألقت بنفسها باتجاه كرسي الحكم، فاطلق المسدس عدة رصاصات لإرهاب الفئران الغاضبة مما أدى لإصابة المزيد منها. كان اللاب توب يتابع الموقف كله بانفعال معلق رياضي محترف مستخدما ما التقطته الكاميرا من صور لفوارغ الرصاص وفوارغ الفئران أيضا، هنا حاول كرسي الحكم أن يصل لمكانه الآمن في نهاية الطابور مستخدما عجلة الإنتاج كدرع للاحتماء من الطوب الغاضب الذي انهال بالفعل على العجلة القديمة فتوقفت تماما عن التظاهر بالحركة.

وانشغلت الفئران بأصوات المأمأة التي انطلقت من الأبواق المنتشرة في الطابور عن ميزان العدالة الذي ألقاه كرسي الحكم باتجاه الأقلام التي اتهمته بالتآمر مع الدبابة والمسدس، ولكن تحرك البالطو الأبيض الرث الملقى على الأرض كان أبطأ من أن ينقذ أحدا، حتى خرج الطابور من عنق الزجاجة واتسعت المساحة التي كان محشورا فيها، فخفتت أصوات المأمأة وهدأ من تبقى من الفئران واحترق اللاب توب وتكسرت الكاميرا برصاصة من المسدس واتخذ كرسي الحكم مكانا مميزا فوق سطح الدبابة.

طلبنا منه أن يخبرنا بما فعله في نهاية الحلم وهو يودعنا بعد أن أعطانا المفتاح وسمح لنا أن نرحل، فأخبرنا بأنه _و بعد مجهود شاق من السير عكس اتجاه الطابور _استطاع أن يخرج من الزجاجة كلها ويغلقها بإحكام على الطابور الذي استقر .... في قاعها!

الثلاثاء، 19 فبراير 2013

ملك الغابة

تحلوا بالشجاعة وقرروا التغلب على مخاوفهم والتخلص من عدوهم, لم يستسلموا لفكرة الهزيمة التي ألحقها بهم, قاموا بدراسة مستفيضة عنه وعن تحركاته, تتبعوه في كل مكان دون أن يلحظهم, بذلوا الجهد والعرق, جهزوا أسلحتهم محلية الصنع وغير محلية الصنع, وضعوا خطتهم, تعاهدوا على التنفيذ تحت أي ظروف ولا مكان للتراجع, جهزوا قوة كبيرة تتناسب مع قوة عدوهم.

في الوقت المحدد بدأوا الهجوم, استطاعوا إيقاف الأتوبيس المستهدف, صعد ثلاثة منهم إليه مشهرين أسلحتهم الآلية يبحثون عن الهدف الذي باتوا يحلمون بالتخلص منه، كان العثور عليه صعبا في أتوبيس يمتليء بالفتيات, فلم يكن هدفهم سوى فتاة لم تكمل عامها الـ14 بعد, "مالالا" فتاة باكستانية شجاعة, سلاحها مجرد كلمات تسجلها على مدونتها أو مدونة هيئة الإذاعة البريطانية المكتوبة باللغة الأوردية تحت اسم مستعار خوفا من انتقام حركة طالبان, تنادي بحقوق الفتيات في التعليم في وادي سوات الذي تنتمي له, منحت جائزة السلام الوطني في باكستان في عام مضى.. أطلق أحد المهاجمين الرصاص على رأسها الصغيرة كوسيلة مضمونة لقتل أفكارها.

اخترقت الرصاصة رأس "عمر", (رجل) لم يبلغ الـ14 من عمره بعد, يبيع البطاطا في شوارغ مصر, لم يختر تلك المهنة رغبة منه في خدمة الجوعى من المارة ولكنه اُجبر على العمل ليوفر لنفسه فرصة الموت بطريقة أخرى غير الموت جوعا هو وأهله, أعلنت القوات المسلحة أن "عمر" قد قتل بالخطأ، وأن الشرطة المدنية قد أخطرت على الفور بالحادث.

ألقت الشرطة الباكستانية القبض على والده وخطيبة المشتبه به، وقامت بقتل واعتقال العشرات في هجوم لها على أحد معاقل طالبان, حاربت الإرهاب بالإرهاب والتعذيب. تم نقل الطفلة للندن لتلقي العلاج بعد أن انتشرت قصتها وتطوعت عدة جهات بالتكفل بعلاجها خارج باكستان نظرا لما تعانيه المستشفيات من تدني في مستوى الخدمة الصحية.

لم تكن المستشفيات في أسيوط مؤهلة لاستقبال من نجا من حادث تصادم وقع بين قطار وأتوبيس ينقل الأطفال إلى مدارسهم. لم يكن حظ المصابين أوفر من حظ المتوفين _الذين وصلوا لـ45 طفلا _ في محاربة الموت. من الآباء من فقد أطفاله جميعا واحتسبهم شهداء عند الله, ومنهم من تذكر آخر مشهد له مع طفله وهو يضربه على وجهه ليجبره على اللحاق بالأتوبيس, ربما لو عرف الأطفال أن وزير النقل سوف يتقدم باستقالته بعد الحادث لما ماتوا من الخوف من رؤيتهم للقطار المندفع نحوهم، ولما حاول أيا منهم القفز من الاتوبيس هربا من واقع يتكرر كل ساعة .

ربما كان القفز مستحيلا ولكنه تحلى بشجاعة لا نظير لها و قفز.. من حدود الطبقة الثانية من الغلاف الجوي فوق صحراء نيومكسيكو الأمريكية, مغامر نمساوي اعتاد القفز الحر, تابعه الملايين في بث مباشر للقفزة على أكثر من 40 قناة تليفزيونية وهو يحطم 4 أرقام قياسية, أما في الغابة التي أعيش فيها.. فقد كنا مشغولين بمتابعة خطاب "الخروف" ملك الغابة وهو محاط بمجموعة من "الكلاب" المدربة للفتك بأمثالي.. من "الحمير"!

الأحد، 23 سبتمبر 2012

ايجيبشان تايتانك

غطس " جاك " في الماء في جو شديد البرودة فقط ليفسح مكانا ل " روز " لتستلقي على القطعة الخشبية الطافية التي لا تتسع سوى لواحد منهما فقط  ...

بدأت القصة منذ سنوات عند تخرج جاك في إحدى الكليات الطبية , تنبأ له الجميع بمستقبل باهر , لم يستمتع جاك كثيرا بتجربة التكليف بوحدة صحية ريفية لانضمامه لصفوف القوات المسلحة لتأدية الخدمة العسكرية الإجبارية كضابط مسئول ,

في هذا الوقت كانت " روز " فتاة مدللة تقضي أوقات انشغالها في التخطيط لما سوف تفعله في أوقات فراغها و هي مهمة شاقة حيث تفشل دائما في تحديد ساعات النوم المطلوبة لتجنب الإصابة بالصداع الذي يفسد متابعة مواقع الإنترنت .. و الدايت ,

رغم أنه لم يكن يفقه في الطب سوى القليل المختصر المخل إلا إن شهادة جاك الطبية ذات السمعة المرموقة إلى حد ما أهلته ليكون من علية القوم القابعين على القهوة , فهناك شهادات لا تؤهل صاحبها ليكتسب لقب عاطل و ليس كل العاطلين سواء ..

بعد أن تعدى سن الثلاثين قرر جاك فجأة أن ينفذ قراراته السابقة بالبحث عن مستقبل جديد و مهنة جديدة , قرر أن يشتري موتوسيكل و يشارك في الرسالة السامية التي يؤديها عمال توصيل الطلبات للمنازل , كان قد ادخر مبلغ كبير من مرتبه الحكومي تخطى الثلاثمائة جنيه و اقترض عشرين ألفا أخرى من أحد أقاربه الميسورين بعد أن كتب على نفسه الإيصالات اللازمة ,

 في الوقت نفسه كانت حياة روز أيضا تأخذ منحى مختلفا حيث كان الموسم الأول من المسلسل التركي على وشك الانتهاء و لم تكن تطيق صبرا حتى يبدأ الموسم الجديد ,

 لقلة خبرة جاك بقيادة الموتوسيكلات تحطم الموتوسيكل مع ثاني اوردر يقوم بالفشل في توصيله  و أصبح جاك مهددا بالسجن , ليس بسبب الإيصالات التي كتبها على نفسه و لكن لأنه تسبب في تحطيم سيارة أجرة  يمتلكها أحد الضباط غير المشاركين في اعتصام الضباط الملتحين ,

 قررت روز أن تغير من نفسها للتغلب على شعورها بالملل  فأخذت سيارتها بعد أن حجزت موعدا بالتليفون و توجهت فورا للبيوتي سنتر , كانت تعرف "ناتالي"  السيدة التي تعمل هناك منذ الطفولة ," ناتالي " لم يكن حظها من التعليم وفيرا و هذا من حسن حظها , فقد اتجهت للحياة العملية سريعا و استطاعت في وقت قصير أن تستقل ماديا عن أسرتها , تزوجت سريعا و أصبحت هي العائل المادي لأسرتها أيضا ,

 استطاع جاك بعد وساطة اهل الخير و أهل جاك أن يقنع الضابط بقبول إيصالات جديدة كتبها على نفسه ليتعدى إجمالي مديونياته ضعف ثمن الموتوسيكل المحطم , لم ييأس جاك و قرر أن يتجه للاتجار في الممنوعات , بدأ يمر على محطات البنزين المختلفة ليملأ الجراكن بما لم يلذ و لم يطب من أنواع البنزين المختلفة و يقف ليبيعها لمن يرغب , نمت تجارته سريعا و أصبح له مكانه المعروف عند بداية أحد الطرق السريعة ,

 و لأن الرياح دائما ما تأتي بما لا تقوى على تحمله السفن فقد انتشرت شائعة بأن الدولة سوف تقوم بفرض ضرائب جديدة على صغار المستثمرين فقامت ناتالي بتنظيم وقفة احتجاجية ما لبثت أن تحولت مع تجاهل الجهات الرسمية لها إلى تجمع حاشد اتخذ من الطريق الذي كان جاك يقف عند بدايته مقرا له , و مع قطع الطريق و عدم وجود سيارات توقفت تجارة جاك قبل أن يستطيع أن يسدد نصف مديونياته ,و لم يكن من السهل العثور على مكان آخر يقف فيه لبيع البنزين حيث احتل جميع زملاء دفعته في كلية الطب الأماكن الأخرى ..

قرر جاك ان يهرب خارج حدود الوطن ,بعد عدة محاولات استطاع الحصول على فيزا سياحية  و بعد عدة إيصالات أمانة استطاع الحصول على ثمن تذكرة سفر على متن طائرة متجهة لإحدى الدول الاوروبية , كانت نفس الطائرة تحمل روز في درجتها الأولى هربا من واقعها الممل متجهة لقضاء أجازة قصيرة مع خالها المقيم هناك منذ سنين ,

أصيبت الطائرة بصاروخ غير معلوم المصدر و إن أعلنت بعد ذلك إحدى الجماعات المشبوهة مسئوليتها عن الحادث انتقاما من الدولة الأوروبية التي كانت الطائرة تحمل أكثر من أربعة مواطنين يحملون جنسيتها و حوالي مائة و سبعين راكب آخر  جميعهم زملاء دفعة جاك الذين كانوا يحاولون الفرار معه ,

مات من مات و سقط في البحر من سقط و جاءت اللحظة التي كثيرا ما توقعها جاك في احلامه حيث وجد نفسه على قطعة خشبية طافية باقية من سفينة غرقت دون صاروخ غير معلوم المصدر نتيجة لتهالكها و حملها لأعداد من البشر تفوق ثلاثة أضعاف ما تستطيع حمله كانوا جميعا من دفعات كلية الطب الأكبر من جاك ممن لم تسعفهم إيصالات الأمانة في الحصول على تذكرة طائرة كتلك التي حصل عليها جاك ..

نظر جاك حوله فوجد روز تحاول النجاة من الغرق في المياة الباردة ,حاول تجاهل ما رآه و لكنه اتخذ قراره سريعا و بشهامة أولاد الأصول مد يده ليلتقط محفظته الجلدية الطافية بجوار روز  محاولا انقاذ ما بقي بها من أموال , تمسكت روز بيده ظنا منها أنه يحاول مساعدتها و جذبته بشدة ,

غطس " جاك " في الماء في جو شديد البرودة  ليفسح مكانا ل " روز " لتستلقي على القطعة الخشبية الطافية التي لا تتسع سوى لواحد منهما فقط  ...

بعدها بأسابيع كانت روز تضع المونيكير الأسود حدادا عند ناتالي و هي تبكي و تعيد أكثر من مرة على اليوتيوب مشهد الرئيس و هو يقدم خالص تعازيه لأسر ضحايا الطائرة و السفينة و يعلن عن تكوين لجنة لتقصي الحقائق و صندوق خاص لمساعدة أهالي المتوفين .

الخميس، 20 سبتمبر 2012

حمزة


رغم غرابة وجود طفل لم يتعد عمره العامين في الاجتماع الشهري المعتاد للإدارة الحكومية التي تم تعييني بها , إلا إنني قد اعتدت منذ شهور عند بداية التحاقي بالعمل ألا أندهش من أي شيء , فأنا لا أريد أن أبدو متعجرفا أو فظا عندما أبدي انزعاجي من وجود أطعمة جاهزة أو مطبوخة في الاجتماع , أو مرور بعض الباعة الجائلين لعرض بضائعهم على الموظفين دون أي إحساس بالحرج ...

رأيت "حمزة"_الطفل الصغير _ يتجول بين الحضور بتلقائية شديدة , يجري قليلا ثم يتوقف فجأة و يجلس مكانه مما يدل على عدم اعتياده على المكان بعد , كان جميع الحضور من الموظفين المعروفين بنشاطهم في الحضور إلى العمل قبل صلاة الظهر بفترة ليست قصيرة , غالبا ما كانوا قبل الثورة يقضونها في تناول طعام الإفطار و تناول لحوم إخوانهم و جيرانهم أحياء بتبادل ما توفر من النميمة الحصرية , تغير هذا النمط كثيرا بعد قيام الثورة و توفير جهاز كمبيوتر لكل موظف , فأصبحوا يقضون اوقاتهم في تصفح "فيس بوك " و لعب "سوليتير " ..

شعرت بسعادة داخلية نابعة من رغبتي في الانتقام من أولئك الانتهازيين كلما رأيت "حمزة" يقترب من أي منهم قليلا و يلتقط أي شيء موضوع أمامه مثل التليفون المحمول أو سلسلة المفاتيح و يلقيه على الأرض بقوة صارخا بلهجة آمرة و هو يشير لما القاه للتو على الأرض .. "هااات" ..

نظر أحد الموظفين القدامى و هو من القلائل المعروفين بالهمة و الإتقان إلى شيكولاته موضوعه أمام "حمزة" , كان "حمزة" سريعا فالتقطها و كان الموظف قويا فحمل "حمزة" و الشيكولاته معا , و أخذ قطعة صغيرة منها , لم يتردد "حمزة" كثيرا و حسم أمره سريعا فمد يده .. و اعطى الموظف كبير السن بقية الشيكولاته .. مبتسما

كان المدير قد وصل للتو متاخرا عن ميعاده بساعة واحدة و أخذ يتحدث بمقدمة محفوظة عن الثورة و النهضة و الأمانة في العمل و وجوب الالتزام و التفاني , واعدا بتحقيق المزيد من التقدم و بذل المزيد من الجهد و العرق لنستطيع الخروج من عنق الزجاجة الذي قبعنا فيه لسنوات عجاف طويلة , قطع "حمزة" خطبته المعتادة في كل اجتماع حينما اقترب منه سريعا و هو يصرخ حتى اصبح على مسافة اعتقد انها مناسبة حين رفع يده و صفع المدير مصدرا صوت أعلى من قوة الضربة بكثير ,

تظاهر المدير بالابتسام ليخفي حرجه و اكتفى بإزاحة "حمزة" بعيدا محاولا استكمال خطبته العصماء متظاهرا بأن شيئا لم يحدث , اختفى "حمزة" قليلا ثم ظهر فجأة و هو يحمل شبشب كان المدير قد تركه في المكتب ليستخدمه أثناء الوضوء لصلاة الظهر التي غالبا ما ينصرف بعدها مباشرة قبل ميعاد انصرافه الرسمي بحوالي ساعتين ,

نظر المدير إلى "حمزة" نظرة إرهاب و تهديد , كانت نظرة المدير مرعبة بحق و لكن قرار "حمزة" كان سريعا فصوّب الشبشب مباشرة لوجه المدير بدم بارد و ابتسامة انتصار خبيثة لم تفارقه ...

انتبهت فجأة لصوت المدير و هو يصرخ في وجهي : مخصوم منك يومين يا حمزة علشان السرحان اللي انت فيه ده من أول الاجتماع .

الأربعاء، 19 سبتمبر 2012

دكر من ورق

كان في طريقه لعمله الصباحي مستقلا سيارته , واضعا الفلاشة في الكاسيت ممسكا بالريموت محاولا الوصول لأغنية معينة , عندما حاول سائق ميكروباص يبدو عليه الضيق الشديد (الميكروباص و ليس السائق ) أن يمر مسرعا بين سيارته و موتوسيكل يجري دون مراعاة لحجم الطريق ..

سمع صوت خفيف يوحي بخدش ناتج عن احتكاك الميكروباص بجانب الاكصدام الأمامي لسيارته , استفزه الموقف فأسرع يجري وراء الميكروباص واضعا يده على الكلاكس متقمصا دور سائق سيارة اسعاف متهور , استطاع اللحاق بسائق الميكروباص و فتح نافذة سيارته ليبدأ نقاش من طرف واحد يتلخص في التشكيك في حاسة الإبصار عند سائق الميكروباص و بعض الألفاظ التي تحمل معنى الرفض و الاستهجان ..

نظر له السائق المترفع عن الرد من خلف نظارته الشمسية المقلدة التي حجبت الشرر المتطاير من عينيه قبل ان يلقي بسيجارة كانت في يده مع خاتم كبير و أظافر طويلة و يصرخ بدوره " ما أنا رفعت لك إيدي خلاص , و بعدين عربيتك ما حصلهاش حاجة " ثم أردف بلهجة واثقة محذرة مستفزة خادشة للحياء " عايز نقف على جنب , نقف و تنزلي " . . . و انحرف فجأة إلى جانب الطريق متوقفا متحفزا ..

هنا أدرك اللحظة الفارقة , استعاد في ذاكرته بشيء من التأمل المخلوط بالخوف كل ما حدث , شعر بأن الحادثة كانت بسيطة و تتكرر كثيرا , كما أن الاكصدام مخدوش من قبل و كان ينوي تغييره عند توفر الوقت و المال اللازمين , كما أنه غير أصلي بالأساس , و تذكر كلمات السائق الرقيقة و هو يؤكد إن " العربية ماحصلهاش حاجة " و هي بالتأكيد وجهة نظر سليمة حيث يتيح موقع سائق الميكروباص له الفرصة للحكم ما إذا كانت السيارة اصيبت أم لا , كما أن السائق قد تكرم و رفع يده ( أو للدقة تكرم و قال أنه قد رفع يده ) تعبيرا عن حزنه الشديد و اعتذارا عن خدش هو يؤكد أنه لم يحدث ...

تذكر صديقه المقرب الذي كان دائما ما ينصحه بعدم التسرع في إصدار الأحكام , تذكر فجأة نصائح العفو عند المقدرة و قدرة الابتسامة و التسامح على خلق روح إيجابية في المجتمع , تذكر ما كتب على ورقة النتيجة هذا الصباح من عدم جدوى النقاش مع السفيه , كما تذكر فجأة أنه ربما يتأخر عن موعده و أنه مضطر للإسراع حتى يصل عمله مبكرا كما تعوّد دائما , كما أنه لم يسمع السائق جيدا عندما أطلق جملته الاخيرة طالبا الوقوف على جانب الطريق و لم يلمحه و هو ينحرف فجأة إلى جانب الطريق ....

مرت كل تلك الأفكار و المبررات في رأسه في ثوانِ معدودة قبل أن يقرر فجأة أن ينحرف هو الآخر_ لا إراديا_ إلى جانب الطريق و مواجهة الموقف و النزول من السيارة , اندهش مما فعله و لوهلة قرر ان يتظاهر بأنه يفحص الإطارات و يعود سريعا لسيارته و لكنه _لا إراديا مرة أخرى_ انفعل و تعصب و تشنج عند رؤيته للخدش الجديد على سيارته ...

تحولت عصبيته إلى دهشة كبيرة عند سماعه لكلام سائق الميكروباص مفتول العضلات محمر العينين الذي جاءه يجري معتذرا بصوت خافت , و تحول صاحب مقولة " ما أنا رفعتلك إيدي خلاص " إلى حمل وديع مظلوم يطلب منه بكل أدب أن "صلي على النبي يا باشا , أنا آسف " كما لعن الفرامل التي لم تسعفه و الموتوسيكل الذي لم يفسح له ... مبديا استعداده التام لإزالة الخدش و إصلاح أي تلف قد نتج عن تهوره ..

تقمص دور أمين الشرطة المخلص ناصحا سائق الميكروباص بإن " مافيش فرامل , يبقى تمشي بأدبك " و أخذ يكرر الجملة كثيرا إعجابا بالمنطق الموجود بالجملة و بقدرته على الصراخ بصوت عال في شارع مزدحم , قبل أن يعفو حقا عن السائق و يتركه رافضا أن يصلح السائق أي شيء صائحا بصوت سمعه كل من كان يركب الميكروباص " لولا بس إنك لحقت نفسك و اعتذرت لي " و أكمل في سره و هو يركب سيارته .. "
كنت أنا اللي اعتذرت لك "