الثلاثاء، 15 مايو 2012

نيران صديقة

استغل فرصة وجودنا وحدنا في الأسانسير ليفتح معي حوارا ظنا منه أن كبر السن الواضح على ملامحي دليل خبرة و علم . . . دون مقدمات سألني عن توقعاتي للمستقبل . . . التطلع البادي في عينيه و الأمل المستمد من سنه الصغيرة هو ما شجعني على قتل طموحه و دفن أي رغبة لديه في الحياة الكريمة حتى أجنبه أي صدمة نفسية قد يتعرض لها عندما يكتشف تلك الحقيقة بنفسه . . .

مارست دوري المفضل كأفعى تتشر سموم الإحباط فيمن حولها و كعادة أي لاعب كرة سابق في استوديو تحليلي , نشطت غدة الإفتاء في مخي لتفرز نصائح و توجيهات تتلخص جميعها في أهمية القناعة و تقبل الفشل و الانصياع للواقع دون مقاومة . . . لم أنس أن أختم نصائحي ببعض الحكم منتهية الصلاحية _لإضفاء بعض الواقعية في كلامي و الإيحاء بأنني مؤمن بالرأي و الرأي الآخر _ عن وجوب التفكير خارج الصندوق و محاولة التغيير و لكن في إطار الممكن المتاح مع ملاحظة استحالة الخروج من الصندوق و عدم وجود إطار للمتاح لأن كل شيء غير متاح . . . كما ذكرته بأهمية السير في اتجاه الريح و تتبع خطوات السابقين . . . فهي دائرة مغلقة و طاحونة يجب أن ينصاع لها حتى لا تفرمه . . .

حاول أن يقاوم جرعة الإحباط التي قمت للتو بحقنها في إرادته , و قال بصوت هاديء بأن الحد الاقصى للقناعة هو أن ترضى بالحد الأدنى من كل شيء تبعا لأقوال الفلاسفة  و هذا دليل واضح على وجوب تحقق الحد الادنى من الحياة الكريمة حتى نبدأ مناقشة مفهوم القناعة و مدي أهميتها , ثم استعان باستنتاج احد الرحالة القدامى المشكوك في صحته بأن سكان استراليا الاصليين فشلوا في صنع أي حضارة لأنهم كانوا يمشون في خطوط مستقيمة حتى يسقطوا من الجوع و الشمس و قد اضطرت الدولة بعد ذلك أن تأويهم و تطعمهم و فشلت في تطويرهم , و هذا الاستنتاج و إن كان خاطئا فإنه يمكن أن يستخدم كمثال لخطورة الجمود في التفكير و تتبع القطيع و عدم تدبر الاخطاء الذي يؤدي إلى تكرار الفشل . . و تكرار الندم عليه أيضا . . .

لم يكن مخي مستعدا للمناقشة أو لاستقبال معلومات جديدة و كان مخزوني من جمل الإحباط و النصائح غير الصالحة للاستهلاك الآدمي قد نفذ , فتظاهرت بالاستماع له منتظرا خروجه مكتئبا من المصعد عند كل دور نصل إليه , و لكنه كان مصرا على استكمال المشوار معي إلى النهاية بروح مثابرة لم اتعود عليها من قبل , حيث انتقل للحديث عن هؤلاء الذين يحاولون أن ينصحوك و هم في الحقيقة يحاولون إحباطك لتبرير فشلهم الشخصي . . .

تذكرت شبابي و اختياراتي التي ظننتها الأسلم رغم علمي بخطئها , تذكرت ضميري الذي افتقدت تنبيهه لي منذ قررت السير مع اتجاه الريح , تذكرت فشلي في تحقيق أي هدف لحياتي بعد هروبي من المواجهة عند اول صدام , شعرت بإحباط غريب يتسلل إلي , غادرت المصعد فورا تاركا الشاب في حيرة تفسير هروبي المفاجيء , متمنيا تعطل المصعد و فشله في استكمال طريقه . . . للأدوار العليا

السبت، 12 مايو 2012

قعدة مع النفس

ربما رأى كثيرين يموتون حوله دون أن يتوقع أن تكون له نفس النهاية , ربما حتى لم يتعاطف معهم , لم يدرك أنه سيقتل مثلهم , كان ماشي جنب الحيط , كل همه لقمة العيش , يسعى طول الليل و النهار , و عمره ما اتكلم ف السياسة , لا أتحدث عن مواطن يعيش في إحدى الدول النامية . . بل عن صرصار عابر في المطبخ اغتلته منذ دقائق بفردة يمين لشبشب صيني غادر . .

لا أعرف لماذا تأثرت لوفاته , ربما لأننا أكلنا من نفس المبيد الحشري المعبأ في ثمرات الفاكهة , أو شربنا من نفس الكلور المخفف بالمياة , أو لأننا عشنا معا في نفس العمارة ذات الأدوار المخالفة الآيلة للصمود , ربما لأننا زرنا نفس اماكن التحرش المتحركة المعروفة بوسائل المواصلات ,أو لأننا تقاسمنا نفس السرير في مستشفيات الحكومة و نفس الدواء في المستشفيات الخاصة . . .

كمواطن شريف أخاف على مؤسسات منزلي و أحاول الحفاظ على استقرار مطبخي , حاولت البحث عن إجابة ترضي ضميري للسؤال المنطقي . . " و هو إيه اللي جابه تحت الشبشب ؟!". .
دوره في التخلص من المخلفات المتعفنة الذي لولاه لاختلت السلسلة الغذائية للإنسان نفسه لا تشفع له اقتحام سيادة منزلي , فما أكثر المخلفات في كل مكان ..ربما كان قراره المتهور بمحاولة التسلل لحدود بيتي بسبب إزعاج بعض معدومي الدخل له بالتفتيش في طعامه الذي وفرته له الحكومة في بورتريه بديع من اكوام القمامة التي تزين الشوارع أو تسببهم في اختناقات مرورية كبيرة عطلت سعيه في الحياة بنومهم على الأرصفة و في الخرابات , ربما جاء خوفا على جهازه التنفسي من التدخين السلبي الذي يتعرض له مرغما بالشارع من عوادم الشيشة و الغازات المسيلة للدموع . . .

طردت هذه الأفكار من رأسي عندما لاحظت ميلي للتعاطف مع هذا الصرصار الاهوج ,كيف أتعاطف مع كائن يعيش في بلاعة . . . بإرادته ؟! كائن يدعي أنه مسالم برغم انه ينقل الأمراض و الأوبئة من البيئة التي يعيش فيها لكوكبي النظيف الخالي من العيوب . . . . و إمعانا في الشدة قررت النزول فورا لشراء عبوة "مبيد حشري" لتكون سلاحا للردع . . فنحن لا يوجد أي تشابه بيننا . .

 لم استخدم المصعد لانقطاع التيار الكهربي , و لم أطلب المشتريات بالتليفون لتعطل الخدمة رغم سدادي للفاتورة , و بالطبع لم استطع استخدام هاتفي المحمول لضياعه أثناء المشاجرة التي نشبت في احد الطوابير اليومية المعتادة , تسللت في صمت على السلم تفاديا للمياه التي يلقيها أحد الجيران الذين على خلاف معي يوميا بمحض الصدفة أثناء نزولي , تفاديت الحفرة الكبيرة المملوءة بمياة المجاري الموجودة منذ شهور و التي لا يقع فيها سوى المغفلين . . . و كبار السن , غطيت أنفي بمنديل للتحايل على أمراض جهازي التنفسي  .. و أخيرا اشتريت العبوة بآخر ما تبقى من المرتب ..

 وقفت مزهوا للحظات بنجاحي أخيرا في الحصول على السلاح الذي أفرض به سيطرتي الكاملة على تلك الكائنات التي نسيت من هو صاحب البيت الذي تعيش في بلاعته و تتغذى على بواقي طعامه  . . .  انهارت البلكونة التي وقفت تحتها لحظات محدودة لأدخل في غيبوبة طويلة لا أذكر منها سوى صوت المهندس الذي استدعوه ليدلي بأقواله في محضر الشرطة  و هو يتساءل ببرود . . " و هو إيه اللي جابه تحت البلكونة ؟! "

الخميس، 10 مايو 2012

بواب الجمهورية

قطع إزعاج كلاكسات زفة في الشارع . . إزعاج جرس الباب المتواصل دون توقف , فتحت الباب غاضبا لأجد "ميدو" ابن البواب , سألته عن سبب زيارته المفاجئة  بعد أن رسمت ابتسامة عريضة بلهاء على وجهي  لإخفاء غضبي , فأجاب بمنتهى الاحتقار و بنظرة لوم لتأخري في فتح الباب . . " بابا عايزك تحت بسرعة " . . .

لا اذكر متى انقلبت علاقتنا كسكان للعمارة بالبواب ليصبح هو الآمر الناهي , في البداية اعتقدنا أن تأففه المتكرر من منظر العمارة و سكانها مجرد تنفيس عن غضب و سينتهي بمرور الوقت , و لكن العكس هو ما حدث , فعدم اهتمامنا  بإحساسه الزائد بالأهمية الذي دفعه لاهمال شئون العمارة و التفرغ لمراعاة مزرعة البانجو التي اقامها فوق السطح , هو ما جعله مع الوقت يصبح في موقف اقوى و اشجع على التعدي على بعض السكان بالقول مرة و بالشومة مرات , لاعنا في كل مرة العمارة القديمة المتهالكة التي تنازل و قبل أن يعمل بها رغم جهل و تخلف و إزعاج من يسكنوها المستمر له . .

مع استسلامنا للأمر الواقع لقلة عدد البوابين المتاحين و تقديرا لعواقب غضب أهل البواب و أصدقائه , زادت الأمور سوءا . . فأصبح يحدد لنا المواعيد المناسبة للدخول و الخروج من العمارة و عدد مرات استخدام المصعد كل يوم , كما قام بتعيين اخيه و ابناء عمه كمندوبين له للقيام باعمال التنظيف بأجور منفصله عن مرتبه . . .

انصرف "ميدو" سريعا من امامي بعد ان نظر باحتقار لأكوام الزبالة المتراكمة أمام باب الشقة معلنا ضيقه من الريحة و صاحبها , و لم أهتم أن اخبره بأن المسئولين عن تراكم القمامة هم المندوبين الذين عينهم والدك  فقد كنت مشغولا في التفكير بما قد يكون  بدر مني ليطلب والده مقابلتي , فلم يكن من المعتاد ان يرسل البواب في طلب أي ساكن في الظروف العادية , و ذلك لانشغاله الدائم بمؤتمرات القمة التي يعقدها مع بوابي العمارات المجاورة في الغرزة الدولية اللي على أول الشارع ..


بالتأكيد قد سمعني و أنا أشكو لأحد الجيران في الأسانسير من الزيادة التي طلبها في نسبته الثابتة من إيجار الشقة  و هي زيادة تتكرر كل شهر دون مبرر , سأنكر تماما أو أتظاهر بالجنون في حالة ان يكون الأسانسير مراقب بالكاميرات التي جمع منا مبالغ خرافية  لشرائها و لم نراها أبدا . .  زيادة في الحرص ربما استدعي جاري المحامي ليحضر معي , فعمله كمحامي سيساعده بالتأكيد في إنهاء إجراءات دفني سريعا إذا لم يصدق البواب مرضي بالجنون ...

زال خوفي عندما اكتشفت أنه استدعاني فقط ليسألني عن معنى الانتخابات الرئاسية التي يتحدث عنها الكثير من الناس بعد أن رأى البوستر الذي قمت بلصقه على العمارة دون إذنه , فأخبرته بإيجاز أننا سوف نختار شخص ليصبح موظفا عند الشعب لإدارة الدولة و تيسير أمور المواطنين , كان واضحا من تعبيرات وجهه أن مفعول سيجارة الحشيش في يده اقوى من حاسة السمع عنده  . . فسألني نفس السؤال مرة أخرى و كأنه يراني لأول مرة بعد ان افاق من لحظة إغماء قصيرة . . .
أدركت أن الشرح غير ذي جدوى فقلت باقتضاب إننا سوف نختار من يحكمنا ,و هنا ابتسم و قال باستنكار " تخيل إن الحمار اللي لزق البوستر على العمارة كان لسه واقف من ثانية واحدة هنا قبلك و قال إننا بنختار واحد يخدمنا " . . . لم انبهه إلى أنني نفس الحمار الذي يتحدث عنه ,فقط سألته إن كان قد فهم كلامي , فهز رأسه بالإيجاب . .  فابتسمت مردفا بيأس "تمام  تمام . . . أصل الحمار اللي شرحت له قبلك مافهمش "

الثلاثاء، 8 مايو 2012

علني للغاية . . . يوميات مشير

بحكم منصبه كأول حاكم منتخب . . . من الديكتاتور اللي قبله , كان يدير شئون مملكته بكل إخلاص . . . للي انتخبه , قدراته الذهنية و الإدارية لم تسعفه كثيرا في حل المشكلات التي تواجه مملكته , فكان دائما يستعين بوزيره العنيف "بدين" و الخبير الأمين بقانون الممكلة "شاهين " . . .
كانت أكبر مشكلة تواجه المملكة بعد فترة ليست قصيرة من حكمه هي نقص عدد الأيدي العاملة اللازمة لدفع عجلة الإنتاج . . . اللي استوردوها مخصوص علشان توزع لبن على المملكة ,

اقترح "بدين " إقناع كبار السن و الاطفال بالمشاركة الإيجابية مستفيدا بما يملكه من موهبة الإقناع المنطقي نظرا لبطولاته في رياضة . . . السحل مسافات طويلة _ و هي الرياضة الوحيدة التي تعتمدها المملكة كرياضة اوليمبية إسبوعية _ واعدا الملك "مشير " بنجاح منقطع النظير في المهمة و مقترحا عقد مؤتمر صحفي كبير يذاع في جميع الجزر المجاورة يعلن فيه من سيتبقى على قيد الحياة من المواطنين عن رغبتهم الدفينة في دفع العجلة و سعادتهم بقرار الملك منحهم هذه الفرصة العظيمة. . .

و لكن الوزير "شاهين " اعترض على فكرة انتهاك آدمية أي مواطن بالمملكة . . . دون سند قانوني , مذكرا الحضور بالضجة التي ثارت بعد التحرش الجنسي الذي تعرضت له كثير من النساء في المملكة على أيدي أبناء الملك و الفضيحة التي كانت يمكن أن تحدث لولا تداركهم الموقف قبل فوات الأوان و إصدارهم تشريعات صارمة . . . تبيح التحرش ,
و لذا كان يرى ضرورة الضغط على أعضاء مجلس السلطنة المعاون للملك للموافقة على قانون اعتقال من لا يشارك في دفع العجلة , متوقعا استجابة سريعة من الأعضاء بعد ادعائهم الرفض المبدئي كما حدث من قبل . . . عند اصدار قانون ذبح المعارضين .

تدخل الوزير "بدين " معترضا على إضاعة الوقت في تشريعات و قوانين لن تشكل أي فارق في رد فعل الرأي العام بالمملكة . . . المؤيد لأي انتهاك يحدث في سبيل توزيع اللبن المزعوم , مقترحا الاستعانة بخبرات المسحراتي الخاص بالملك الإعلامية لتذكير الناس بدورهم المهم . . . في خدمة الملك , و موقعهم المتميز الثابت . . . في عنق الزجاجة ,

عاد الوزير "شاهين" للاعتراض على رأي الوزير "بدين" مرة اخرى موضحا أن تقليله من اهمية القانون يرجع لعدم قدرته المتكررة على الالتزام بالحد الأقصى لعدد الضحايا الذي يتفقون على ان ينص عليه القانون في كل مرة و هو ما يضطرهم لإصدار شريعات مكملة لاستيعاب الاعداد الجديدة ,

استيقظ الملك "مشير " في نهاية اجتماعهم _الذي دام ثلاثة ايام_ على صوت شجارهم , و بعد أن شرحوا له _في إسبوع _ما حدث أثناء نومه بصورة مبسطة , قرر أن تتم الخطوتين في نفس الوقت , حيث تبدأ الاجتماعات التحضيرية للتشريع بالتزامن مع جهود مكافحة الحياة , على ان يلتزم الوزير "بدين " ب إخبار الوزير "شاهين " بالجدول الزمني للمجازر و العدد الإجمالي للضحايا بمجرد الانتهاء من حصره . . .
حتى إذا ما انتهى القتل , يكون القانون جاهزا . . . لتبريره

الثلاثاء، 1 مايو 2012

منتهى الصراحة

لم تكن المشكلة هي تخيلي لشخصيات وهمية تعيش معي و لكن المشكلة الحقيقية . . .  إننا بدأنا نتخانق , لم يتفهم الجيران سر هذا الصراخ المستمر كل ليلة و لم يتفهموا من هو هذا الحمار الذي عادة ما انهي صراخي بلعن غبائه , في البداية اعتقدوا أن هذه الهلاوس سببها إدمان المخدرات , و لم يبدوا أي اعتراض و تعاملوا مع الموضوع كأمر واقع , ماداموا قد تأكدوا إني مش مربي حمار في البيت ...

أفتى لي صديقي المقرب بأن هذه الشخصيات هي من صنع ضميري الذي يأس من إصلاح سلوكي فقرر أن يتشاجر معي بنفسه , و نصحني بالصدق مع الآخرين لتحسين علاقتي بضميري , فتختفي المشاكل .... بالفعل استجبت لنصيحة صديقي و اتضحت صحة نصيحته , من جانب واحد على الأقل , حيث اختفت مشاكلي مع ضميري و لكن ظهرت مشاكل من نوع آخر . . . فالناس غير معتادة على الصراحة في التعامل . . . فساءت علاقتي بجارتي العجوز عندما قررت أن أصارحها بعدم ملاءمة اسم أي حيوان للاستخدام ك اسم دلع لزوجها , خصوصا في اجتماع اتحاد ملاك العمارة . . .

 و الحق يقال أنه أيضا من غير اللائق التعامل مع كل ما يقوله الناس بأن هذا هو ما يقصدونه بالفعل ... كما تعلمت من تجربتي عندما غرقت البواب بنزين و أشعلت فيه النار استجابةً لطلبه المستمر .. للدخان

عاد صديقي للافتاء مرة أخرى بأن ما كان يقصده هو مراعاة ضميري في عملي المرتبط بمصالح الناس و لا مانع من بعض المجاملات في العلاقات الاجتماعية بالجيران و المعارف , حاولت فعلا تنفيذ ما قاله و قررت الامتناع عن تلقي أي رشاوي من عملاء البنك الذي أعمل به , و هي رشاوي لم تضطرني الظروف لقبولها سوى في فترتين فقط في حياتي ... فترة ما قبل الثورة .. و فترة ما بعدها , و حفزت نفسي على تنفيذ قراري بتذكيرها المستمر بقدرتي على الامتناع سابقا عن تلقي الرشاوي , عندما أغلقت البنوك أثناء فترة الثورة ....

بالفعل اختفت الهلاوس و تحسنت علاقتي مع ضميري بشكل ملحوظ , أو على الأقل أصبحت خلافاتنا أقل صخبا عن ذي قبل , و لكن ظهرت هلاوس جديدة , لا تتعلق بضميري هذه المرة , و لكن بضمير المحيطين بي , و انتهى بي الحال مفصولا من عملي , طريدا من منزلي  , مطلوبا من السلطات في قضايا اعتداء على بعض النصابين و التجار , حاملا لعلامات في وجهي من بعض الباعة أصحاب الاستعداد الفطري للاشتباك

شرحت هذه القصة لصديقي عضو مجلس الشعب عندما جاء لزيارتي في مستشفى الأمراض النفسية التي دخلتها بإرادتي للعلاج , مبديا دهشتي لتحمله عضويته الدائمة في لجان تقصي الحقائق التي يتم تكوينها بصفة مستمرة ,فالناس قد لا تتقبل الصدق , أو قد يكون هو نفسه غير قادر على تحمل نتيجة صدق الناس معه , كما أخبرته عن الشائعات المنتشرة في المستشفى عن اصابته بنفس مرضي  . . .  فأخبرني بصوت خفيض بأنه لن ينكر أنه  قد عانى من هلاوس ضميره في بداية انضمامه لهذه اللجان و لكن اصراره على البحث عن الحقيقة أدت إلى اختفاء هذه الهلاوس تماما . . . ثم نظر خلفه سائلاً الهواء  بصيغة استنكارية . . . "عاجبك الفضايح دي ؟!! "