الأحد، 23 سبتمبر 2012

ايجيبشان تايتانك

غطس " جاك " في الماء في جو شديد البرودة فقط ليفسح مكانا ل " روز " لتستلقي على القطعة الخشبية الطافية التي لا تتسع سوى لواحد منهما فقط  ...

بدأت القصة منذ سنوات عند تخرج جاك في إحدى الكليات الطبية , تنبأ له الجميع بمستقبل باهر , لم يستمتع جاك كثيرا بتجربة التكليف بوحدة صحية ريفية لانضمامه لصفوف القوات المسلحة لتأدية الخدمة العسكرية الإجبارية كضابط مسئول ,

في هذا الوقت كانت " روز " فتاة مدللة تقضي أوقات انشغالها في التخطيط لما سوف تفعله في أوقات فراغها و هي مهمة شاقة حيث تفشل دائما في تحديد ساعات النوم المطلوبة لتجنب الإصابة بالصداع الذي يفسد متابعة مواقع الإنترنت .. و الدايت ,

رغم أنه لم يكن يفقه في الطب سوى القليل المختصر المخل إلا إن شهادة جاك الطبية ذات السمعة المرموقة إلى حد ما أهلته ليكون من علية القوم القابعين على القهوة , فهناك شهادات لا تؤهل صاحبها ليكتسب لقب عاطل و ليس كل العاطلين سواء ..

بعد أن تعدى سن الثلاثين قرر جاك فجأة أن ينفذ قراراته السابقة بالبحث عن مستقبل جديد و مهنة جديدة , قرر أن يشتري موتوسيكل و يشارك في الرسالة السامية التي يؤديها عمال توصيل الطلبات للمنازل , كان قد ادخر مبلغ كبير من مرتبه الحكومي تخطى الثلاثمائة جنيه و اقترض عشرين ألفا أخرى من أحد أقاربه الميسورين بعد أن كتب على نفسه الإيصالات اللازمة ,

 في الوقت نفسه كانت حياة روز أيضا تأخذ منحى مختلفا حيث كان الموسم الأول من المسلسل التركي على وشك الانتهاء و لم تكن تطيق صبرا حتى يبدأ الموسم الجديد ,

 لقلة خبرة جاك بقيادة الموتوسيكلات تحطم الموتوسيكل مع ثاني اوردر يقوم بالفشل في توصيله  و أصبح جاك مهددا بالسجن , ليس بسبب الإيصالات التي كتبها على نفسه و لكن لأنه تسبب في تحطيم سيارة أجرة  يمتلكها أحد الضباط غير المشاركين في اعتصام الضباط الملتحين ,

 قررت روز أن تغير من نفسها للتغلب على شعورها بالملل  فأخذت سيارتها بعد أن حجزت موعدا بالتليفون و توجهت فورا للبيوتي سنتر , كانت تعرف "ناتالي"  السيدة التي تعمل هناك منذ الطفولة ," ناتالي " لم يكن حظها من التعليم وفيرا و هذا من حسن حظها , فقد اتجهت للحياة العملية سريعا و استطاعت في وقت قصير أن تستقل ماديا عن أسرتها , تزوجت سريعا و أصبحت هي العائل المادي لأسرتها أيضا ,

 استطاع جاك بعد وساطة اهل الخير و أهل جاك أن يقنع الضابط بقبول إيصالات جديدة كتبها على نفسه ليتعدى إجمالي مديونياته ضعف ثمن الموتوسيكل المحطم , لم ييأس جاك و قرر أن يتجه للاتجار في الممنوعات , بدأ يمر على محطات البنزين المختلفة ليملأ الجراكن بما لم يلذ و لم يطب من أنواع البنزين المختلفة و يقف ليبيعها لمن يرغب , نمت تجارته سريعا و أصبح له مكانه المعروف عند بداية أحد الطرق السريعة ,

 و لأن الرياح دائما ما تأتي بما لا تقوى على تحمله السفن فقد انتشرت شائعة بأن الدولة سوف تقوم بفرض ضرائب جديدة على صغار المستثمرين فقامت ناتالي بتنظيم وقفة احتجاجية ما لبثت أن تحولت مع تجاهل الجهات الرسمية لها إلى تجمع حاشد اتخذ من الطريق الذي كان جاك يقف عند بدايته مقرا له , و مع قطع الطريق و عدم وجود سيارات توقفت تجارة جاك قبل أن يستطيع أن يسدد نصف مديونياته ,و لم يكن من السهل العثور على مكان آخر يقف فيه لبيع البنزين حيث احتل جميع زملاء دفعته في كلية الطب الأماكن الأخرى ..

قرر جاك ان يهرب خارج حدود الوطن ,بعد عدة محاولات استطاع الحصول على فيزا سياحية  و بعد عدة إيصالات أمانة استطاع الحصول على ثمن تذكرة سفر على متن طائرة متجهة لإحدى الدول الاوروبية , كانت نفس الطائرة تحمل روز في درجتها الأولى هربا من واقعها الممل متجهة لقضاء أجازة قصيرة مع خالها المقيم هناك منذ سنين ,

أصيبت الطائرة بصاروخ غير معلوم المصدر و إن أعلنت بعد ذلك إحدى الجماعات المشبوهة مسئوليتها عن الحادث انتقاما من الدولة الأوروبية التي كانت الطائرة تحمل أكثر من أربعة مواطنين يحملون جنسيتها و حوالي مائة و سبعين راكب آخر  جميعهم زملاء دفعة جاك الذين كانوا يحاولون الفرار معه ,

مات من مات و سقط في البحر من سقط و جاءت اللحظة التي كثيرا ما توقعها جاك في احلامه حيث وجد نفسه على قطعة خشبية طافية باقية من سفينة غرقت دون صاروخ غير معلوم المصدر نتيجة لتهالكها و حملها لأعداد من البشر تفوق ثلاثة أضعاف ما تستطيع حمله كانوا جميعا من دفعات كلية الطب الأكبر من جاك ممن لم تسعفهم إيصالات الأمانة في الحصول على تذكرة طائرة كتلك التي حصل عليها جاك ..

نظر جاك حوله فوجد روز تحاول النجاة من الغرق في المياة الباردة ,حاول تجاهل ما رآه و لكنه اتخذ قراره سريعا و بشهامة أولاد الأصول مد يده ليلتقط محفظته الجلدية الطافية بجوار روز  محاولا انقاذ ما بقي بها من أموال , تمسكت روز بيده ظنا منها أنه يحاول مساعدتها و جذبته بشدة ,

غطس " جاك " في الماء في جو شديد البرودة  ليفسح مكانا ل " روز " لتستلقي على القطعة الخشبية الطافية التي لا تتسع سوى لواحد منهما فقط  ...

بعدها بأسابيع كانت روز تضع المونيكير الأسود حدادا عند ناتالي و هي تبكي و تعيد أكثر من مرة على اليوتيوب مشهد الرئيس و هو يقدم خالص تعازيه لأسر ضحايا الطائرة و السفينة و يعلن عن تكوين لجنة لتقصي الحقائق و صندوق خاص لمساعدة أهالي المتوفين .

الخميس، 20 سبتمبر 2012

حمزة


رغم غرابة وجود طفل لم يتعد عمره العامين في الاجتماع الشهري المعتاد للإدارة الحكومية التي تم تعييني بها , إلا إنني قد اعتدت منذ شهور عند بداية التحاقي بالعمل ألا أندهش من أي شيء , فأنا لا أريد أن أبدو متعجرفا أو فظا عندما أبدي انزعاجي من وجود أطعمة جاهزة أو مطبوخة في الاجتماع , أو مرور بعض الباعة الجائلين لعرض بضائعهم على الموظفين دون أي إحساس بالحرج ...

رأيت "حمزة"_الطفل الصغير _ يتجول بين الحضور بتلقائية شديدة , يجري قليلا ثم يتوقف فجأة و يجلس مكانه مما يدل على عدم اعتياده على المكان بعد , كان جميع الحضور من الموظفين المعروفين بنشاطهم في الحضور إلى العمل قبل صلاة الظهر بفترة ليست قصيرة , غالبا ما كانوا قبل الثورة يقضونها في تناول طعام الإفطار و تناول لحوم إخوانهم و جيرانهم أحياء بتبادل ما توفر من النميمة الحصرية , تغير هذا النمط كثيرا بعد قيام الثورة و توفير جهاز كمبيوتر لكل موظف , فأصبحوا يقضون اوقاتهم في تصفح "فيس بوك " و لعب "سوليتير " ..

شعرت بسعادة داخلية نابعة من رغبتي في الانتقام من أولئك الانتهازيين كلما رأيت "حمزة" يقترب من أي منهم قليلا و يلتقط أي شيء موضوع أمامه مثل التليفون المحمول أو سلسلة المفاتيح و يلقيه على الأرض بقوة صارخا بلهجة آمرة و هو يشير لما القاه للتو على الأرض .. "هااات" ..

نظر أحد الموظفين القدامى و هو من القلائل المعروفين بالهمة و الإتقان إلى شيكولاته موضوعه أمام "حمزة" , كان "حمزة" سريعا فالتقطها و كان الموظف قويا فحمل "حمزة" و الشيكولاته معا , و أخذ قطعة صغيرة منها , لم يتردد "حمزة" كثيرا و حسم أمره سريعا فمد يده .. و اعطى الموظف كبير السن بقية الشيكولاته .. مبتسما

كان المدير قد وصل للتو متاخرا عن ميعاده بساعة واحدة و أخذ يتحدث بمقدمة محفوظة عن الثورة و النهضة و الأمانة في العمل و وجوب الالتزام و التفاني , واعدا بتحقيق المزيد من التقدم و بذل المزيد من الجهد و العرق لنستطيع الخروج من عنق الزجاجة الذي قبعنا فيه لسنوات عجاف طويلة , قطع "حمزة" خطبته المعتادة في كل اجتماع حينما اقترب منه سريعا و هو يصرخ حتى اصبح على مسافة اعتقد انها مناسبة حين رفع يده و صفع المدير مصدرا صوت أعلى من قوة الضربة بكثير ,

تظاهر المدير بالابتسام ليخفي حرجه و اكتفى بإزاحة "حمزة" بعيدا محاولا استكمال خطبته العصماء متظاهرا بأن شيئا لم يحدث , اختفى "حمزة" قليلا ثم ظهر فجأة و هو يحمل شبشب كان المدير قد تركه في المكتب ليستخدمه أثناء الوضوء لصلاة الظهر التي غالبا ما ينصرف بعدها مباشرة قبل ميعاد انصرافه الرسمي بحوالي ساعتين ,

نظر المدير إلى "حمزة" نظرة إرهاب و تهديد , كانت نظرة المدير مرعبة بحق و لكن قرار "حمزة" كان سريعا فصوّب الشبشب مباشرة لوجه المدير بدم بارد و ابتسامة انتصار خبيثة لم تفارقه ...

انتبهت فجأة لصوت المدير و هو يصرخ في وجهي : مخصوم منك يومين يا حمزة علشان السرحان اللي انت فيه ده من أول الاجتماع .

الأربعاء، 19 سبتمبر 2012

دكر من ورق

كان في طريقه لعمله الصباحي مستقلا سيارته , واضعا الفلاشة في الكاسيت ممسكا بالريموت محاولا الوصول لأغنية معينة , عندما حاول سائق ميكروباص يبدو عليه الضيق الشديد (الميكروباص و ليس السائق ) أن يمر مسرعا بين سيارته و موتوسيكل يجري دون مراعاة لحجم الطريق ..

سمع صوت خفيف يوحي بخدش ناتج عن احتكاك الميكروباص بجانب الاكصدام الأمامي لسيارته , استفزه الموقف فأسرع يجري وراء الميكروباص واضعا يده على الكلاكس متقمصا دور سائق سيارة اسعاف متهور , استطاع اللحاق بسائق الميكروباص و فتح نافذة سيارته ليبدأ نقاش من طرف واحد يتلخص في التشكيك في حاسة الإبصار عند سائق الميكروباص و بعض الألفاظ التي تحمل معنى الرفض و الاستهجان ..

نظر له السائق المترفع عن الرد من خلف نظارته الشمسية المقلدة التي حجبت الشرر المتطاير من عينيه قبل ان يلقي بسيجارة كانت في يده مع خاتم كبير و أظافر طويلة و يصرخ بدوره " ما أنا رفعت لك إيدي خلاص , و بعدين عربيتك ما حصلهاش حاجة " ثم أردف بلهجة واثقة محذرة مستفزة خادشة للحياء " عايز نقف على جنب , نقف و تنزلي " . . . و انحرف فجأة إلى جانب الطريق متوقفا متحفزا ..

هنا أدرك اللحظة الفارقة , استعاد في ذاكرته بشيء من التأمل المخلوط بالخوف كل ما حدث , شعر بأن الحادثة كانت بسيطة و تتكرر كثيرا , كما أن الاكصدام مخدوش من قبل و كان ينوي تغييره عند توفر الوقت و المال اللازمين , كما أنه غير أصلي بالأساس , و تذكر كلمات السائق الرقيقة و هو يؤكد إن " العربية ماحصلهاش حاجة " و هي بالتأكيد وجهة نظر سليمة حيث يتيح موقع سائق الميكروباص له الفرصة للحكم ما إذا كانت السيارة اصيبت أم لا , كما أن السائق قد تكرم و رفع يده ( أو للدقة تكرم و قال أنه قد رفع يده ) تعبيرا عن حزنه الشديد و اعتذارا عن خدش هو يؤكد أنه لم يحدث ...

تذكر صديقه المقرب الذي كان دائما ما ينصحه بعدم التسرع في إصدار الأحكام , تذكر فجأة نصائح العفو عند المقدرة و قدرة الابتسامة و التسامح على خلق روح إيجابية في المجتمع , تذكر ما كتب على ورقة النتيجة هذا الصباح من عدم جدوى النقاش مع السفيه , كما تذكر فجأة أنه ربما يتأخر عن موعده و أنه مضطر للإسراع حتى يصل عمله مبكرا كما تعوّد دائما , كما أنه لم يسمع السائق جيدا عندما أطلق جملته الاخيرة طالبا الوقوف على جانب الطريق و لم يلمحه و هو ينحرف فجأة إلى جانب الطريق ....

مرت كل تلك الأفكار و المبررات في رأسه في ثوانِ معدودة قبل أن يقرر فجأة أن ينحرف هو الآخر_ لا إراديا_ إلى جانب الطريق و مواجهة الموقف و النزول من السيارة , اندهش مما فعله و لوهلة قرر ان يتظاهر بأنه يفحص الإطارات و يعود سريعا لسيارته و لكنه _لا إراديا مرة أخرى_ انفعل و تعصب و تشنج عند رؤيته للخدش الجديد على سيارته ...

تحولت عصبيته إلى دهشة كبيرة عند سماعه لكلام سائق الميكروباص مفتول العضلات محمر العينين الذي جاءه يجري معتذرا بصوت خافت , و تحول صاحب مقولة " ما أنا رفعتلك إيدي خلاص " إلى حمل وديع مظلوم يطلب منه بكل أدب أن "صلي على النبي يا باشا , أنا آسف " كما لعن الفرامل التي لم تسعفه و الموتوسيكل الذي لم يفسح له ... مبديا استعداده التام لإزالة الخدش و إصلاح أي تلف قد نتج عن تهوره ..

تقمص دور أمين الشرطة المخلص ناصحا سائق الميكروباص بإن " مافيش فرامل , يبقى تمشي بأدبك " و أخذ يكرر الجملة كثيرا إعجابا بالمنطق الموجود بالجملة و بقدرته على الصراخ بصوت عال في شارع مزدحم , قبل أن يعفو حقا عن السائق و يتركه رافضا أن يصلح السائق أي شيء صائحا بصوت سمعه كل من كان يركب الميكروباص " لولا بس إنك لحقت نفسك و اعتذرت لي " و أكمل في سره و هو يركب سيارته .. "
كنت أنا اللي اعتذرت لك "