رغم غرابة وجود طفل لم يتعد عمره العامين في الاجتماع الشهري المعتاد للإدارة الحكومية التي تم تعييني بها , إلا إنني قد اعتدت منذ شهور عند بداية التحاقي بالعمل ألا أندهش من أي شيء , فأنا لا أريد أن أبدو متعجرفا أو فظا عندما أبدي انزعاجي من وجود أطعمة جاهزة أو مطبوخة في الاجتماع , أو مرور بعض الباعة الجائلين لعرض بضائعهم على الموظفين دون أي إحساس بالحرج ...
رأيت "حمزة"_الطفل الصغير _ يتجول بين الحضور بتلقائية شديدة , يجري قليلا ثم يتوقف فجأة و يجلس مكانه مما يدل على عدم اعتياده على المكان بعد , كان جميع الحضور من الموظفين المعروفين بنشاطهم في الحضور إلى العمل قبل صلاة الظهر بفترة ليست قصيرة , غالبا ما كانوا قبل الثورة يقضونها في تناول طعام الإفطار و تناول لحوم إخوانهم و جيرانهم أحياء بتبادل ما توفر من النميمة الحصرية , تغير هذا النمط كثيرا بعد قيام الثورة و توفير جهاز كمبيوتر لكل موظف , فأصبحوا يقضون اوقاتهم في تصفح "فيس بوك " و لعب "سوليتير " ..
شعرت بسعادة داخلية نابعة من رغبتي في الانتقام من أولئك الانتهازيين كلما رأيت "حمزة" يقترب من أي منهم قليلا و يلتقط أي شيء موضوع أمامه مثل التليفون المحمول أو سلسلة المفاتيح و يلقيه على الأرض بقوة صارخا بلهجة آمرة و هو يشير لما القاه للتو على الأرض .. "هااات" ..
نظر أحد الموظفين القدامى و هو من القلائل المعروفين بالهمة و الإتقان إلى شيكولاته موضوعه أمام "حمزة" , كان "حمزة" سريعا فالتقطها و كان الموظف قويا فحمل "حمزة" و الشيكولاته معا , و أخذ قطعة صغيرة منها , لم يتردد "حمزة" كثيرا و حسم أمره سريعا فمد يده .. و اعطى الموظف كبير السن بقية الشيكولاته .. مبتسما
كان المدير قد وصل للتو متاخرا عن ميعاده بساعة واحدة و أخذ يتحدث بمقدمة محفوظة عن الثورة و النهضة و الأمانة في العمل و وجوب الالتزام و التفاني , واعدا بتحقيق المزيد من التقدم و بذل المزيد من الجهد و العرق لنستطيع الخروج من عنق الزجاجة الذي قبعنا فيه لسنوات عجاف طويلة , قطع "حمزة" خطبته المعتادة في كل اجتماع حينما اقترب منه سريعا و هو يصرخ حتى اصبح على مسافة اعتقد انها مناسبة حين رفع يده و صفع المدير مصدرا صوت أعلى من قوة الضربة بكثير ,
تظاهر المدير بالابتسام ليخفي حرجه و اكتفى بإزاحة "حمزة" بعيدا محاولا استكمال خطبته العصماء متظاهرا بأن شيئا لم يحدث , اختفى "حمزة" قليلا ثم ظهر فجأة و هو يحمل شبشب كان المدير قد تركه في المكتب ليستخدمه أثناء الوضوء لصلاة الظهر التي غالبا ما ينصرف بعدها مباشرة قبل ميعاد انصرافه الرسمي بحوالي ساعتين ,
نظر المدير إلى "حمزة" نظرة إرهاب و تهديد , كانت نظرة المدير مرعبة بحق و لكن قرار "حمزة" كان سريعا فصوّب الشبشب مباشرة لوجه المدير بدم بارد و ابتسامة انتصار خبيثة لم تفارقه ...
انتبهت فجأة لصوت المدير و هو يصرخ في وجهي : مخصوم منك يومين يا حمزة علشان السرحان اللي انت فيه ده من أول الاجتماع .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق