رغم المظاهر الرمضانية التي اكتست بها القهوة قبل استطلاع هلال الشهر الكريم من صوان إضافي التهم نصف الرصيف و أنوار و شيشة و طاولة و خلافه إلا أن هدوء الجالسين على الكراسي كان مختلفا هذه المرة , بالتأكيد لم يكن خشوعا أو إنصاتا لصوت المسلسل القادم من شاشة البلازما المعلقة في طرف الصوان , فهم معتادون على ممارسة أكثر من نشاط كمتابعة التليفزيون و اللعب و إجراء المكالمات "المحمولية" و حتى الشجار في نفس الوقت بمنتهى التركيز أو _إحقاقا للحق _ دون تركيز ..
عندما سألت أحد العاملين عن سبب جلوس الرواد صامتين و كأن على رؤوسهم طير مصابة بانتفاخ أول يوم رمضان , أجابني بصوت خفيض كمن يفشي سرا عسكريا و بطريقته المختصرة الدالة على ضيقه من جهلي بأحداث الوطن الهامة " أصل خطاب الريس الجديد لسه خلصان " لم يمهلني الفرصة لكي أسأله عما يقصد بالجديد , الريس أم الخطاب ؟! .. فقد انصرف من أمامي سريعا ملبيا نداء تصفيق أحد الجالسين و لم أشأ أن أستدعيه مرة أخرى لكي القنه درسا في آداب الحوار فقد كان شابا في نهايات الطفولة يتطاير الشر من عينيه تطاير رزاز الصودا من كوب مشروب غازي .. يبدو عليه التحفز الشديد و الاستعداد للعنف المتناسب طرديا مع كمية الجِل التي روى بها شعره
...
جلست في ركني الخاص منصتا محاولا فهم أبعاد المشكلة من بعض ردود الفعل التي بدأ الجالسون في إبدائها , كانت الأزمة هي الإعلان عن علاوة جديدة سيتم صرفها للموظفين و هو ما يعني ارتفاع أوتوماتيكي في الأسعار المرتفعة ذاتيا , بعض مؤيدي القرار كانوا يرون فيه بادرة إيجابية لخطب ود جمهور غفير من الموظفين الساعين وراء علاوة أو زيادة في المرتب يسدون بها رمق هواتفهم الجوعى للرصيد , و بالطبع لم يقف المعارضين مكتوفي الألسن أمام هذا القرار الموحي بالارتجال و التخبط و السطحية فهم يريدون حلولا جذرية لمشكلات متأصلة منذ قرون
...
زادت حدة الحوار بين المتحاورين خصوصا مع عدم وجود خبير اقتصادي او محلل سياسي محترف بيننا ليفتينا فيما اختلفنا فيه , و مما زاد من سخونة الحوار الانقطاع المتكرر للتيار الكهربي و ما يصاحبه من لعنات و أزمات تتعلق بأعراض متلازمة الحر و الملل و الزحام
..
وفجأة جاء من أقصى الشارع رجلٌ يسعى , ظننته شحات رمضاني , فلما اقترب أكثر .. تأكدت ظنوني
..,استطاع أن يخطف انتباه الحاضرين .. ليس لثيابه الرثة و حاله التي تصعب على الفلول , فهو منظر طبيعي و متكرر لم يعد يثير الدهشة أو حتى التعاطف , كان ما لفت انتباه الجالسين له هو أنه لم يكن يحمل علبة لتلميع الأحذية او حتى يقف خلف ميزان لقياس الطول و الوزن و لكنه كان بكل ثقة يحمل ماكينة لعد النقود عارضا خدماته لمن يهمه الأمر ..
انشغل بعض الحضور بالتندر عليه , فمنهم من اعطاه ورقة بخمسة جنيهات طالبا منه عدها بدقة , و منهم من ابرز عدة جنيهات معدنية طالبا منه عدها او للدقة وزنها , و أقسم ثالث أنه لو كان يحمل في جيبه اكثر من سبعين جنيه لوضعها فورا في حسابه البنكي دون أن يعدها حتى لا "يقل بركتها" .. حاولت أن أساعده فلم اجد معي ما تزيد كميته بصورة تستحق العد سوى مئات الإعلانات التي قام أعضاء حزب الحرية و العدالة بتوزيعها علينا بعد صلاة الجمعة للترويج لقرار شجاع اتخذه الرئيس ..و مئات الإعلانات الأخرى التي وزعوها بعد صلاة العصر للترويج لقرار شجاع آخر اتخذه الرئيس . . . بإلغاء القرار الأول .