الثلاثاء، 5 مارس 2013

الطابور

هو شخص لا ينفعل ولكن يساعد على الانفعال، لا يكتئب ولكن يساعد على الاكتئاب، يرى الأمور على طبيعتها _المتشائمة دائما _، يعيش الحياة كأنه يعيشها للمرة الثانية والأخيرة، كأنه رأى كل شيء وعرف كل شيء وحياته مجرد وقت يقضيه حتى يصل للحظة معينة ينتظرها. لقبناه بـ"المفكر" لأنه دايما بيفكرنا بالماضي المظلم الذي عشناه والمستقبل الأكثر إظلاما الذي يتوقع أن نعيشه.

كان غريبا أن يطلب أن يلتقي بنا بعد مضي فترة كبيرة لم نقابله فيها، كان مريضا طريح اللاب توب، يتناول دواء غير معروف بشهية غير آدمية، بمجرد وصولنا له- اعتدل في جلسته ونظر لنا نظرة من النوع الذي يطلق عليه "ذات مغزى"، فنظرنا له نظرة من النوع الذي يطلق عليه "خلص في ليلتك".. لم يدم صمته طويلا، أخبرنا بأنه أراد أن يلتقي بنا رغبة منه في إخبارنا حلما ظل يؤرقه لفترة طويلة، كان يريد أن يتخلص من عبء كتمان شعوره باقتراب النهاية، حاولنا إقناعه بالعدول عن فكرة اقتراب النهاية لرغبتنا في الانصراف سريعا، حاولنا إقناعه بالتمسك بالأمل.. في أن نعود مرة أخرى للاستماع له، باءت كل محاولاتنا بالفشل لشعورنا بالتعاطف معه وإغلاقه الباب علينا بالمفتاح.

 كان يرى نفسه "محشورا" في طابور طويل مزدحم "محشور" بدوره في زجاجة. كانت الساعة معطلة والوقت يمر بطيئا قبل أن يتقدم الطابور خطوة مبتعدا عن عنق الزجاجة حينما انتبه الجميع لصوت الدبابة وهي تسحق بعض الفئران التي ضلت طريقها وسط زحام الطابور وهي تتسابق للانقضاض على رغيف خبز ملقى على أرضية الطابور، هنا اعترض الميكروفون من مكانه وسط الطابور على ما قامت به الدبابة محملا كرسي الحكم مسئولية ما حدث.

لم يملك جركن البنزين الفارغ الطاقة الكافية للاعتراض ولكن رد زجاجة المولوتوف جاء حارقا عندما ألقت بنفسها باتجاه كرسي الحكم، فاطلق المسدس عدة رصاصات لإرهاب الفئران الغاضبة مما أدى لإصابة المزيد منها. كان اللاب توب يتابع الموقف كله بانفعال معلق رياضي محترف مستخدما ما التقطته الكاميرا من صور لفوارغ الرصاص وفوارغ الفئران أيضا، هنا حاول كرسي الحكم أن يصل لمكانه الآمن في نهاية الطابور مستخدما عجلة الإنتاج كدرع للاحتماء من الطوب الغاضب الذي انهال بالفعل على العجلة القديمة فتوقفت تماما عن التظاهر بالحركة.

وانشغلت الفئران بأصوات المأمأة التي انطلقت من الأبواق المنتشرة في الطابور عن ميزان العدالة الذي ألقاه كرسي الحكم باتجاه الأقلام التي اتهمته بالتآمر مع الدبابة والمسدس، ولكن تحرك البالطو الأبيض الرث الملقى على الأرض كان أبطأ من أن ينقذ أحدا، حتى خرج الطابور من عنق الزجاجة واتسعت المساحة التي كان محشورا فيها، فخفتت أصوات المأمأة وهدأ من تبقى من الفئران واحترق اللاب توب وتكسرت الكاميرا برصاصة من المسدس واتخذ كرسي الحكم مكانا مميزا فوق سطح الدبابة.

طلبنا منه أن يخبرنا بما فعله في نهاية الحلم وهو يودعنا بعد أن أعطانا المفتاح وسمح لنا أن نرحل، فأخبرنا بأنه _و بعد مجهود شاق من السير عكس اتجاه الطابور _استطاع أن يخرج من الزجاجة كلها ويغلقها بإحكام على الطابور الذي استقر .... في قاعها!