الخميس، 14 يونيو 2012

عن الصبر




كنت قد خرجت لتوي من المؤسسة الحكومية التي كنت أعمل بها بعد أن انهيت إجراءات العودة من الاستقالة التي استهلكت عشرات الأيام و مئات الإمضاءات ... حرارة الجو هي ما منعتني من الاشتباك اللفظي المعتاد مع سائقي التاكسي المتعففين عن توصيلي بعد قيامهم بتحقيق قصير معي لمعرفة المكان الذي أريد الذهاب إليه ... بعد فترة من الانتظار , وافق سائق تاكسي على توصيلي للعنوان المطلوب لسببين , الثاني هو تعاطفه معي بعد أن رأى أثر حرارة الشمس على ملامحي المتجهمة , و الأول هو وجود راكب آخر بجواره متجه لنفس العنوان ..

بعد أن جلست في مكاني خلف السائق و الراكب الذي بجواره و القيت عليهما تحية سريعة , تنبهت إلى حقيقة أنني أعرف هذا الراكب من قبل , فهو جاري في الشارع الذي أسكن به ,لاعب كرة قدم التقي به أحيانا في المسجد القريب و إن كنت لا اعرف اسمه , هو شخص طويل القامة بصورة مستفزة , و بشوش بصورة أكثر استفزازا ..

لم اكن في مزاج يسمح بإجراء أي حوار مع أي شخص فرغم سعيي للاستقالة منذ فترة كبيرة اعتراضا على الفساد المتوغل في المؤسسة التي أعمل بها و المعترف به من أكبر موظفيها و أصغرهم كإسلوب حياة منطقي غير قابل للتعديل او حتى النقاش , إلا إنني و بعد ان استطعت أخيرا أن أحصل على صك البراءة من هذه الطاحونة المفسِدة شعرت ببعض الندم , فترة السماح بالعدول عن الاستقالة الممتدة لإسبوعين كاملين فتحت شباك كبير لكل شيطان عابر ليطل منها على تفكيري و يقنعني بالرجوع في قرار الاستقالة و القبول بالامر الواقع و عدم التسرع و العودة إلى زمن راحة الجسم و وفاة الضمير , و نتيجة لتأثير الالحاح و ضعف الإرادة قررت الانحناء حتى تمر العاصفة و السير في اتجاه الريح و العودة إلى طاحونة الفساد ..

قررت عدم مناقشة الموضوع مع أي شخص و لذلك فضلت الصمت و ادعاء الإصابة بالصداع لأهرب من الحديث مع السائق و الراكب الذي بجواره ..كانا يتحدثان طوال الطريق عن مشاكل السائق و العراقيل التي يواجهها في حياته اليومية ما بين مشاكل مع المرور و كل ما له صلة بوزارة الداخلية باختلاف المكانة و الوظيفة ,فأقل العساكر شأنا قد يكون أسوأ من اكبر اللواءات في التعسف و الظلم , و بين مشاكل الطرق و الزحام بوجه عام ...

كان حديثا من طرف واحد , فالسائق يحكي و يشكو و ينفعل و يسب و يسكت أحيانا لالتقاط أنفاسه أو لالتقاط سيجارة من اعلى الشماسة الموجودة امامه , ثم يعود من جديد ليشكو و يسب و يشير أحيانا لشخص يمر بالطريق أو عسكري مرور يجلس قريبا من أحد الارصفة ليدلل على صدق معلومة ذكرها للتو متعلقة بسلوك الشعب او الشرطة ..

بالطبع لم تكن ثقافة السائق أو تعليمه تسمح له بشرح موقفه دون استخدام قاموس لغوي من الشتائم اكتسبه من طول فترة بقائه في الشارع و تعامله مع مختلف الطبقات على حد تعبيره , و على الجانب الآخر كان الراكب بجواره يستغل فترات الصمت القصيرة التي نمر بها عندما يتفرغ السائق للنظر في هاتفه المحمول دون ان يتصل بأحد او يرد على أحد , فقط يمسك بالهاتف الصيني و ينظر في شاشته الكبيرة للحظات قبل ان يعيده مرة أخرى للجراب المعلق في الزجاج الامامي , أقول أن الراكب كان يستغل فترات الصمت هذه ليحاول تهدئة السائق و تشجيعه على الصبر مع رفض الظلم و التدبر فيما يمر بغيره من المصائب التي قد تكون كل مشكلاته بجوارها مجرد أزمات عابرة لا تستحق حتى الشكوى .. موجها اللوم للسائق على انصياعه أحيانا _كما ذكر_ لدفع رشاوى و اكراميات لتجنب المشاكل , و مبديا دهشته من تبرير السائق ظلمه لبعض الركاب و الحصول منهم على اجرة لا يستحقها أو رفضه توصيلهم أماكن بعينها و هو الذي يشكو من ظلم الحكومة له ..

كنت على وشك التخلي عن فكرة عدم المشاركة في الحديث فقط لكي أصرخ في وجه هذا الراكب الذي ينتمي بالتأكيد لكوكب مختلف عن الكوكب الذي نعيش فيه , حيث لا مجال للصبر و التدبر , كنت أريد أن أخبره بأن هذا السائق يجب ان توجه له التحية لقدرته على التأقلم مع متطلبات الحياة و ظروفها التي ربما لو مر هذا الراكب المتكبر بها أو بأقل منها لأصبح اكثر تفهما و اقل حدة في الانتقاد , بل ربما امتدح ذكاء السائق الذي فهم سريعا الطريقة المثلى للحياة المريحة و وجد له المبررات أيضا للمشاركة في الفساد و الإفساد , فقليلين هم من يثبتون على مواقفهم عند الأزمات . . و لكننا كنا قد وصلنا لبداية الشارع الذي نسكن فيه حيث توقف التاكسي و حياني جاري طويل القامة مرة أخرى قبل أن يفتح الباب و ينتظر السائق الذي نزل هو الآخر و أنزل كرسيا متحركا كان موجودا فوق شبكة التاكسي و يفتحه ليساعد جاري على الجلوس فيه قبل أن يتركه و يغلق باب التاكسي و يستقر مرة أخرى مسرعا أمام عجلة القيادة لينطلق بي مرة أخرى لآخر الشارع حيث أسكن

الثلاثاء، 5 يونيو 2012

هريّ في المكان

احد البرامج الفضائية المشبوهه يفجر مفاجئة من العيار الخفيف بقرب ضرب الدولة بقنبلة ذرية بعد شهرين عن طريق جهة أجنبية مجهولة  و تنتشر الشائعة بسرعة في جميع المواقع و القنوات الإخبارية ...

تنتشر في جميع القنوات إعلانات الخط الساخن لمعرفة تعليمات التعامل مع القنابل بسعر 5 جنيه للدقيقة و إعلانات عن برنامج "القنبلة" لتحميله على الهواتف المحمولة ...

تتحرك الحكومة بعد مرور أكثر من ثلاث اسابيع و تناشد الشعب عدم الفزع و تعلن عن توافر كميات كبيرة من الدروع الواقية من القنابل بجميع المحافظات ...

تنشر صحف المعارضة صور ضوئية لعقود استيراد دروع منتهية الصلاحية من الخارج لصالح أحد رجال الاعمال المعروفين بانتمائهم الكامل للسلطة الحاكمة ...

تعلن السلطة الحاكمة أنها تقف على مسافة واحدة من جميع المستوردين ...

يصرح أحد المعارضين البارزين بامتلاكه لمستندات و وثائق تؤكد أن جميع الدروع الموجودة بالأسواق غير صالحة للاستخدام الآدمي ...

يعود البرلمان من اجازته ليتفرغ لمناقشة قضية الساعة و يصدر تشريعات حازمة . . بتجريم بيع الدواجن في فصل الشتاء ...

يبدأ المذيع المجنون سلسلة حلقات لإثبات المؤامرة العالمية على الدولة و سلطتها الحاكمة الرشيدة متهما القوى الثورية بامتلاك مصانع خفية لانتاج القنابل الذرية , مستضيفا الفنانة المشهورة لتتحدث عن رؤيتها في المنام لأحد المتظاهرين و هو يلعب بإحدى القنابل الذرية الذي ما أن رآها في الحلم حتى أخفى القنبلة وراء ظهره...

تستغل السلطة الحاكمة الفرصة للقبض على جميع المعارضين السياسيين بتهمة ترويج الشائعات الكاذبة ...


خروج مظاهرات حاشدة من المواطنين للمطالبة بإعدام المسئولين عن الدروع الفاسدة و بعد فترة من عدم اهتمام السلطات بهم يرتفع سقف مطالبهم للمطالبة صراحة بإعدام . . . المذيع المجنون

وزارة الداخلية تعلن اسفها للقبض على شخصين بالخطأ . . أثناء قيامها بقتل بقية المتظاهرين

تعلن القوى الثورية عن اجتماع لاختيار قيادة واحدة تمثلها تكون مهمتها . . قتل المذيع المجنون ...

تعلن السلطة الحاكمة أنها تقف على مسافة واحدة من جميع المجانين ...

يعلن المعارض البارز اكتشافه خطأ المستندات التي كانت بحوزته في اول تصريح صحفي له بعد تعيينه في منصب مستشار رئيس الحكومة لشئون القنابل الذرية ...

أحد علماء الوطن المغتربين بالخارج يصرح بعدم وجود ما يسمى "الدروع الواقية من القنابل الذرية"و يدعو الشعب لعدم تصديق كذب السلطة الحاكمة  أو نخبة مدعي المعارضة...

تفشل القوى الثورية في اختيار قيادة واحدة تمثلها و تعلن عن اجتماع جديد لمناقشة اسباب فشل الاجتماع الأول ...

الجرائد الرسمية تنشر صور العالم المغترب ممسكا في يده آلة حاسبة و المانشيت الرئيسي : نكشف بالصور مخطط تقسيم الوطن ...

تعلن السلطة الحاكمة مقر اجتماع القوى الثورية منطقة عسكرية محظورة ,مقررة اعتقال جميع القوى الثورية لتواجدهم في منطقة عسكرية دون إذن ...

تهتم جميع المواقع الإخبارية و جميع المحللين السياسيين و منظمات حقوق الإنسان بالتأثير الدولي . . لقرار منع بيع الدواجن في فصل الشتاء ...

في الميعاد المحدد سلفا يتم فعلا ضرب الدولة بقنبلة ذرية من جهة مجهولة و يموت الجميع ..

الاثنين، 4 يونيو 2012

مجاهد

" أحيانا تكون اعمارنا أقصر من عمر أحذيتنا " تذكرت هذه المقولة لأحد الفلاسفة و عندما فوجئت بشخص أعرفه يخلع حذاءه قبل أن يلقي بنفسه في النيل . . . كنت أعرفه منذ سنين , فهو الخبير الاستراتيجي المعروف الذي يجيد تحليل المواقف و الآراء دون تحيز أو تلفيق . . . "مجاهد "  السايس السابق بالجراج المجاور لمنزلي , هو رجل يدعي المعرفة و الثقافة كان يعمل سائقا بالاسعاف قبل أن يعتزل هذه المهنة لأسباب غير معروفة و يتفرغ لقراءة الجرائد و حراسة السيارات . . .

كان رجلا من طراز رفيع .. نتيجة لعوامل وراثية أو ربما لسوء التغذية الذي يعاني منه أغلب المصريين , كنت احب الاستماع لقصصه المليئة بالمعاني الجميلة التي اصبحنا نفتقدها في حياتنا اليومية , كالصدق و الامانة .. و بنزين تسعين , فكم هو سهلا الحديث عن إتقان العمل و الضمير الحي بينما انت جالس تقرأ الجرائد طوال النهار , لم أكن أميل لتصديقه حينما كان يؤكد دائما أنه قرر بإرادته الحرة ترك اكثر من مهنة كان يمكن أن تدر عليه أرباحا مجزية رفضا للغش و اعتراضا على النصب و المحسوبية و انعدام الضمير , فالجميع يستطيع أن يدعي البطولة و الشرف لتبرير الفشل . . .

لا نعرف حقيقة تركه الجراج و هل حقا هو الذي استقال لعدم قدرته على التعامل مع كائنات أقل منه إداركا و وعيا و تحملا للمسئولية  كما كان يزعم أم أن صاحب الجراج هو الذي طرده لما يعرف عنه من أنه كثيرا ما يثير المشاكل نتيجة لتهوره , و هو ما عرضه لحملة تشويه متعمدة من بعض البلطجية .. باستخدام ما توفر من الأسلحة البيضاء لاعتراضه الدائم على استخدامهم إحدى السيارات كغرزة متحركة , كان دائما ما يرفض أي نصيحة بالتهدئة و تكبير الدماغ تأتيه من العقلاء من السكان الذين لولا وجودهم . . . لاستمر في عمله دون مشاكل  على حد زعمه .

لم اكن افهم سر اعتراضه الدائم على ما الفناه من اوضاع صحيحة أو حتى خاطئة  في حياتنا , و كانت المرة الأخيرة التي أراه فيها عندما أخبرني بكل فخر أنه قد تقدم بشكوى ضد صاحب أحد الأبراج المكونة من عشرين دور نصفهم على الأقل تم بنائه بالمخالفة للقانون , و عندما سألته عن جدوى شكواه أو تأثيرها , أخبرني بابتسامة محبطة بأن الشرطة تحركت فور بلاغه و لم تهدأ قبل ان تطرده هو شخصيا من الكشك الذي كان قد حصل على ترخيصه بعد عناء ...

طردت كل مواقف الجدعنة التي أغرقني بها من رأسي مما ساعد الندالة و الرغبة في اللحاق بموعدي في التغلب على رغبتي  في محاولة انقاذه أو حتى ترتيب اجراءات الدفن و إبلاغ أهله مفضلا الانصراف , مدعيا عدم ملاحظتي للموقف كله , متخذا موقف غالبية مواطني الشعوب المديونة بطبعها من السلبية و إيثار السلامة , و بعد أن ابتعدت بالفعل لمسافة قصيرة فوجئت من بعيد ب "مجاهد " يخرج من النيل مرة اخرى حاملا طفلا صغيرا سقط بالماء و يسلمه لأمه التي كانت تقف صامته من شدة الفزع ,ليثبت من جديد قدرته على الانتصار و يزرع في نفسي احساس عارم بالضآلة بابتسامة الأمل المرسومة على وجهه بعد أن نجح في انقاذ الطفل من الغرق .


الجمعة، 1 يونيو 2012

واحد مننا

شعر ببعض الحرج عندما أمسك أبوه بصورة عفوية بيده أثناء عبورهما الطريق متجهين للجنتهم الانتخابية للادلاء بأصواتهم , فهو الآن رجلا في مقتبل العمر و مستقل عن والده منذ سنين و ربما لولا مشوار الانتخابات و تسجيلهما في نفس اللجنة الانتخابية لما تقابلا قبل نهاية الإسبوع , حاول أن يسحب يده بهدوء من يد والده و هو يقبض باليد الأخرى على يد ابنه الصغير الذي أصر على أن يذهب معه للانتخابات ليغمس اصبعه الصغير في الحبر الفسفوري مثل بقية أصحابه و هو ربما لا يفهم معنى الانتخابات أو مفهوم الديمقراطية ...

كلما اقتربت سيارة مسرعة قبض والده على يده اكثر و تراجع عن فكرة العبور انتظارا لمرور السيارة التي كان يرى الشاب أنها بعيدة بما يكفي لعبورهم الطريق حبواً ليصلوا إلى الطرف الآخر قبل أن تقترب منهم حتى , و بالطبع كان حرجه يزداد كلما جذبه والده للعودة للرصيف الذي يقفون عليه انتظارا لخلو الشارع ..

مرت دقائق ثقيلة و هم في انتظار خلو الشارع من السيارات و هو شيء شبه مستحيل في مثل هذا التوقيت من النهار الذي رغم ضيق الشارع لتعطل حارة كاملة بالسيارات المتوقفة في طابور طويل أمام إحدى محطات البنزين إلا أن السيارات كانت تسير بسرعة جنونية  من وجهة نظر والده و كأنها تحاول الهروب من هذا الشارع ملقية الرعب في نفس كل من تسول له نفسه فكرة العبور في أمان ....

لم يشأ ان يبدأ نقاشا جديدا مع والده في قدرته على عبور الطريق دون مساعدة فقد خرجوا للتو من نقاش شديد الحماس حول المرشح الواجب التصويت له في الانتخابات , فنتيجة لاختلاف خبراتهم و تجاربهم في الحياة كانت آراؤهم شديدة التباين و التباعد , فمن يراه هو الاصلح و الأفضل بل و الأجدر بتولي المسئولية , يراه والده مدعي و منافق و غير جدير بأي منصب , و بالطبع فشل في اقناعه بجرم اختيار مرشح معين , ففي دولة لا يوجد بها أي شفافية او تداول واضح للمعلومات , و في دولة يخضع تحليل رأي أي إعلامي فيها للرأي الشخصي في مواقفه السابقة و المتوقعة , يصعب الوصول لنتيجة قاطعة في أي نقاش و يصعب الامساك بأدلة ملموسة لإثبات أي وجهة نظر . . . فكل شيء إما خاضع لنظرية المؤامرة أو خاضع لنظرية قصر نظر الجيل الجديد و عدم تقديرهم للعواقب المترتبة على اختيارتهم المتهمة دائما بأنها عاطفية لا تخضع لتحكمات العقل ...

قرر التنازل عن فكرة ترك يد والده منعا لصدام جديد في الافكار و نقاش جديد بين جيلين أصبح واضحا صعوبة إيصال وجهة نظر كل منهما للآخر , و إن اظهر بعض الضيق من طول تردد والده في العبور و هو ما شعر به الأب فبادر بنفسه بترك يد ولده و العبور وحده  معاتبا له بنظرة تحمل الكثير من المعاني , وقف الشاب  مندهشا للحظات قليلة و هو يعيد التفكير في موقفه قبل أن يهم هو الآخر بالعبور قابضا على يد طفله الصغير , شعر بمقاومة من طفله للعبور الذي كان يجذبه للخلف و يحاول ترك يده هو الآخر ,  فتوقف لينهره دون تفكير بدافع الخوف و القلق , لتمر سيارة مسرعة من أمامه مباشرة ظهرت فجأة من طريق جانبي و كادت تصدمه لولا توقفه في هذه اللحظة ... أفاق من دهشته على صوت والده من الطرف الآخر من الطريق و هو يصيح بهلع ما لبث أن اختفى و تحول لابتسامة ساخرة و هو يشير للزجاج الخلفي للسيارة المسرعة و قد لصق عليه بوستر كبير للمرشح الذي كان ابنه يريد انتخابه