كنت قد خرجت لتوي من المؤسسة الحكومية التي كنت أعمل بها بعد أن انهيت إجراءات العودة من الاستقالة التي استهلكت عشرات الأيام و مئات الإمضاءات ... حرارة الجو هي ما منعتني من الاشتباك اللفظي المعتاد مع سائقي التاكسي المتعففين عن توصيلي بعد قيامهم بتحقيق قصير معي لمعرفة المكان الذي أريد الذهاب إليه ... بعد فترة من الانتظار , وافق سائق تاكسي على توصيلي للعنوان المطلوب لسببين , الثاني هو تعاطفه معي بعد أن رأى أثر حرارة الشمس على ملامحي المتجهمة , و الأول هو وجود راكب آخر بجواره متجه لنفس العنوان ..
بعد أن جلست في مكاني خلف السائق و الراكب الذي بجواره و القيت عليهما تحية سريعة , تنبهت إلى حقيقة أنني أعرف هذا الراكب من قبل , فهو جاري في الشارع الذي أسكن به ,لاعب كرة قدم التقي به أحيانا في المسجد القريب و إن كنت لا اعرف اسمه , هو شخص طويل القامة بصورة مستفزة , و بشوش بصورة أكثر استفزازا ..
لم اكن في مزاج يسمح بإجراء أي حوار مع أي شخص فرغم سعيي للاستقالة منذ فترة كبيرة اعتراضا على الفساد المتوغل في المؤسسة التي أعمل بها و المعترف به من أكبر موظفيها و أصغرهم كإسلوب حياة منطقي غير قابل للتعديل او حتى النقاش , إلا إنني و بعد ان استطعت أخيرا أن أحصل على صك البراءة من هذه الطاحونة المفسِدة شعرت ببعض الندم , فترة السماح بالعدول عن الاستقالة الممتدة لإسبوعين كاملين فتحت شباك كبير لكل شيطان عابر ليطل منها على تفكيري و يقنعني بالرجوع في قرار الاستقالة و القبول بالامر الواقع و عدم التسرع و العودة إلى زمن راحة الجسم و وفاة الضمير , و نتيجة لتأثير الالحاح و ضعف الإرادة قررت الانحناء حتى تمر العاصفة و السير في اتجاه الريح و العودة إلى طاحونة الفساد ..
قررت عدم مناقشة الموضوع مع أي شخص و لذلك فضلت الصمت و ادعاء الإصابة بالصداع لأهرب من الحديث مع السائق و الراكب الذي بجواره ..كانا يتحدثان طوال الطريق عن مشاكل السائق و العراقيل التي يواجهها في حياته اليومية ما بين مشاكل مع المرور و كل ما له صلة بوزارة الداخلية باختلاف المكانة و الوظيفة ,فأقل العساكر شأنا قد يكون أسوأ من اكبر اللواءات في التعسف و الظلم , و بين مشاكل الطرق و الزحام بوجه عام ...
كان حديثا من طرف واحد , فالسائق يحكي و يشكو و ينفعل و يسب و يسكت أحيانا لالتقاط أنفاسه أو لالتقاط سيجارة من اعلى الشماسة الموجودة امامه , ثم يعود من جديد ليشكو و يسب و يشير أحيانا لشخص يمر بالطريق أو عسكري مرور يجلس قريبا من أحد الارصفة ليدلل على صدق معلومة ذكرها للتو متعلقة بسلوك الشعب او الشرطة ..
بالطبع لم تكن ثقافة السائق أو تعليمه تسمح له بشرح موقفه دون استخدام قاموس لغوي من الشتائم اكتسبه من طول فترة بقائه في الشارع و تعامله مع مختلف الطبقات على حد تعبيره , و على الجانب الآخر كان الراكب بجواره يستغل فترات الصمت القصيرة التي نمر بها عندما يتفرغ السائق للنظر في هاتفه المحمول دون ان يتصل بأحد او يرد على أحد , فقط يمسك بالهاتف الصيني و ينظر في شاشته الكبيرة للحظات قبل ان يعيده مرة أخرى للجراب المعلق في الزجاج الامامي , أقول أن الراكب كان يستغل فترات الصمت هذه ليحاول تهدئة السائق و تشجيعه على الصبر مع رفض الظلم و التدبر فيما يمر بغيره من المصائب التي قد تكون كل مشكلاته بجوارها مجرد أزمات عابرة لا تستحق حتى الشكوى .. موجها اللوم للسائق على انصياعه أحيانا _كما ذكر_ لدفع رشاوى و اكراميات لتجنب المشاكل , و مبديا دهشته من تبرير السائق ظلمه لبعض الركاب و الحصول منهم على اجرة لا يستحقها أو رفضه توصيلهم أماكن بعينها و هو الذي يشكو من ظلم الحكومة له ..
كنت على وشك التخلي عن فكرة عدم المشاركة في الحديث فقط لكي أصرخ في وجه هذا الراكب الذي ينتمي بالتأكيد لكوكب مختلف عن الكوكب الذي نعيش فيه , حيث لا مجال للصبر و التدبر , كنت أريد أن أخبره بأن هذا السائق يجب ان توجه له التحية لقدرته على التأقلم مع متطلبات الحياة و ظروفها التي ربما لو مر هذا الراكب المتكبر بها أو بأقل منها لأصبح اكثر تفهما و اقل حدة في الانتقاد , بل ربما امتدح ذكاء السائق الذي فهم سريعا الطريقة المثلى للحياة المريحة و وجد له المبررات أيضا للمشاركة في الفساد و الإفساد , فقليلين هم من يثبتون على مواقفهم عند الأزمات . . و لكننا كنا قد وصلنا لبداية الشارع الذي نسكن فيه حيث توقف التاكسي و حياني جاري طويل القامة مرة أخرى قبل أن يفتح الباب و ينتظر السائق الذي نزل هو الآخر و أنزل كرسيا متحركا كان موجودا فوق شبكة التاكسي و يفتحه ليساعد جاري على الجلوس فيه قبل أن يتركه و يغلق باب التاكسي و يستقر مرة أخرى مسرعا أمام عجلة القيادة لينطلق بي مرة أخرى لآخر الشارع حيث أسكن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق