الجمعة، 1 يونيو 2012

واحد مننا

شعر ببعض الحرج عندما أمسك أبوه بصورة عفوية بيده أثناء عبورهما الطريق متجهين للجنتهم الانتخابية للادلاء بأصواتهم , فهو الآن رجلا في مقتبل العمر و مستقل عن والده منذ سنين و ربما لولا مشوار الانتخابات و تسجيلهما في نفس اللجنة الانتخابية لما تقابلا قبل نهاية الإسبوع , حاول أن يسحب يده بهدوء من يد والده و هو يقبض باليد الأخرى على يد ابنه الصغير الذي أصر على أن يذهب معه للانتخابات ليغمس اصبعه الصغير في الحبر الفسفوري مثل بقية أصحابه و هو ربما لا يفهم معنى الانتخابات أو مفهوم الديمقراطية ...

كلما اقتربت سيارة مسرعة قبض والده على يده اكثر و تراجع عن فكرة العبور انتظارا لمرور السيارة التي كان يرى الشاب أنها بعيدة بما يكفي لعبورهم الطريق حبواً ليصلوا إلى الطرف الآخر قبل أن تقترب منهم حتى , و بالطبع كان حرجه يزداد كلما جذبه والده للعودة للرصيف الذي يقفون عليه انتظارا لخلو الشارع ..

مرت دقائق ثقيلة و هم في انتظار خلو الشارع من السيارات و هو شيء شبه مستحيل في مثل هذا التوقيت من النهار الذي رغم ضيق الشارع لتعطل حارة كاملة بالسيارات المتوقفة في طابور طويل أمام إحدى محطات البنزين إلا أن السيارات كانت تسير بسرعة جنونية  من وجهة نظر والده و كأنها تحاول الهروب من هذا الشارع ملقية الرعب في نفس كل من تسول له نفسه فكرة العبور في أمان ....

لم يشأ ان يبدأ نقاشا جديدا مع والده في قدرته على عبور الطريق دون مساعدة فقد خرجوا للتو من نقاش شديد الحماس حول المرشح الواجب التصويت له في الانتخابات , فنتيجة لاختلاف خبراتهم و تجاربهم في الحياة كانت آراؤهم شديدة التباين و التباعد , فمن يراه هو الاصلح و الأفضل بل و الأجدر بتولي المسئولية , يراه والده مدعي و منافق و غير جدير بأي منصب , و بالطبع فشل في اقناعه بجرم اختيار مرشح معين , ففي دولة لا يوجد بها أي شفافية او تداول واضح للمعلومات , و في دولة يخضع تحليل رأي أي إعلامي فيها للرأي الشخصي في مواقفه السابقة و المتوقعة , يصعب الوصول لنتيجة قاطعة في أي نقاش و يصعب الامساك بأدلة ملموسة لإثبات أي وجهة نظر . . . فكل شيء إما خاضع لنظرية المؤامرة أو خاضع لنظرية قصر نظر الجيل الجديد و عدم تقديرهم للعواقب المترتبة على اختيارتهم المتهمة دائما بأنها عاطفية لا تخضع لتحكمات العقل ...

قرر التنازل عن فكرة ترك يد والده منعا لصدام جديد في الافكار و نقاش جديد بين جيلين أصبح واضحا صعوبة إيصال وجهة نظر كل منهما للآخر , و إن اظهر بعض الضيق من طول تردد والده في العبور و هو ما شعر به الأب فبادر بنفسه بترك يد ولده و العبور وحده  معاتبا له بنظرة تحمل الكثير من المعاني , وقف الشاب  مندهشا للحظات قليلة و هو يعيد التفكير في موقفه قبل أن يهم هو الآخر بالعبور قابضا على يد طفله الصغير , شعر بمقاومة من طفله للعبور الذي كان يجذبه للخلف و يحاول ترك يده هو الآخر ,  فتوقف لينهره دون تفكير بدافع الخوف و القلق , لتمر سيارة مسرعة من أمامه مباشرة ظهرت فجأة من طريق جانبي و كادت تصدمه لولا توقفه في هذه اللحظة ... أفاق من دهشته على صوت والده من الطرف الآخر من الطريق و هو يصيح بهلع ما لبث أن اختفى و تحول لابتسامة ساخرة و هو يشير للزجاج الخلفي للسيارة المسرعة و قد لصق عليه بوستر كبير للمرشح الذي كان ابنه يريد انتخابه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق