كان من
الحلاقين القلائل بالحي الذي أسكن به الذي تستطيع أن تتصل به في أي وقت من الليل
أو النهار لكي تحدد موعدا يختصر عليك
فترات انتظار طويلة ,فهو يعيش في صالون الحلاقة الخاص به , يعمل بيده أو يقف خلف
أحد مساعديه ليوجهه بالأمر المباشر أو بالضرب المباشر لتخفيف جزء من الشعر هنا و
تظبيط جزء هناك , كما كان من الحلاقين الكُثُر الذين يعتقدون بأنك قد ذهبت لهم
لسببين ثانيهما هو الحلاقة و أولهما هو معرفة رأيهم العميق في آخر ما يستجد في
الساحة الكروية و السياسية ..
كان
يعتبر نفسه سباقا في التحليلات السياسية و عارف ببواطن الأمور , يجزم بأنه أول من
نادى بحرية المرأة , و أول من استخدم مصطلح الدولة العميقة , ناهيك عن تجاهله لسنه
المقارب للستين و ادعائه أنه من شباب الثورة
لم تكن
المشكلة في ضحالة معلوماته بشكل عام , فعمله المستمر في صالون الحلاقة الخاص به لم
يكن يتيح له الكثير من الوقت للاطلاع و متابعة الأحداث بتأني , كانت المشكلة
الرئيسية هي تعصبه الشديد لرأيه و رد فعله العنيف تجاه أي محاولة لتصحيح معلوماته
أو الاعتراض السلمي على تعليقاته على بعض المواقف السياسية و المباريات الكروية ..
بعض
الأساطير المنتشرة تحكي عن زبائن اختفوا فجأة من الحياة بعد ابداء وجهات نظر
تتعارض مع التحليلات التي توصل لها بخصوص بعض الشئون الدولية و المحلية , مثل
تأثير المحادثات الثنائية بين رئيس وزراء بريطانيا و نظيره الروسي على المؤامرة الماسونية
العالمية و علاقتها بارتفاع سعر رغيف العيش و
التأثير المباشر لانتقال بيكهام
للأهلي على فانوس رمضان ..
على أية
حال كانت هناك مبالغات في القصص المنتشرة حوله
فلم يكن زبائنه أفضل حالا منه و لم يكن معظمهم يعترض عليه , ليس خوفا منه ,
فمعظمهم ينتهج العنف كمرجعية أساسية لكل تصرفاته , و لكن لأن انغماسهم في العمل في
أماكن بعيدة أو حتى في البطالة في قهاوي قريبة لم يكن يتيح لهم المتابعة و الاطلاع
كما لم تكن لديهم الرغبة في ذلك ,فطريقة تفكيرهم لم تكن تختلف كثيرا عن طريقة
تفكير الحلاق , يكفي أن تقول رأيك بقوة و حزم حتى تقنع المجاورين بأنه صحيح , و لا
مانع من أن تضع في خلفية كلامك بعض المؤثرات الموسيقية الأنفية الشهيرة التي تعني
"أرفض حتما أي كلام " حتى تقضي على أي تفكير في معارضة لرأيك من أي نوع
..
كانت
"بيتفلسف" و " عايز يقلب لنا دماغنا " و " حمار "
تهم جاهزة لأي شخص يقول كلاما لا يفهمونه , و الكلام الذي لا يفهمونه هو أي كلام
يختلف عن نظرية المؤامرة التي تتميز عندهم بالمرونة الشديدة لدرجة انها يمكن أن
تضم إسرائيل و حماس و إيران و بايرن ميونخ و بترول أسيوط في جبهة واحدة ضد الشعب
بهدف إسقاط مصر و هدم الدولة
كان صوت القناة التليفزيونية العكاشية يدوي في
أرجاء الصالون عندما احتدم النقاش بيننا أثناء حلاقته لي و كان الحديث بيننا قد وصل لنقطة النهاية من وجهة نظري عندما
قال بلهجة حازمة .. " يا بيه ده حتى هاني خشبة بتاع الأهلي طلع إخوان "
.. شعرت برغبة عارمة في قتله هو و الصوت المنبعث من التليفزيون للقضاء على ظاهرة
الفتي في مصر و لكني آثرت أن أشعل شمعة بدلا من أن ألعن الظلام و تمالكت أعصابي
مصححا له الاسم بمنتهى الهدوء . . " اسمه الكابتن هاني خشبة "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق