كنت استمتع بالعرض المسرحي للمضيف الآسيوي لشرح
طرق استخدام قناع التنفس و سترة النجاه أثناء بداية اقلاع الطائرة عندما سألني
ضميري سؤالا مباشرا عن الهدف من هذه الرحلة ,
رغم العشرة القديمة بيننا إلا إني في تلك اللحظة
ندمت على اصطحابه معي في رحلتي , رددت عليه ببرود طالبا منه الاستراحة قليلا و
الصمت حتى آخر الرحلة أو آخر العمر أيهما أقرب ,
تهكم على هروبي من إجابة سؤاله مرددا رأيه المعتاد
عن ضعف شخصيتي و عدم قدرتي على المواجهة و تفضيلي الدائم للهروب من المشاكل بأي
طريقة , سألني مرة اخرى بشغف عن جدوى هروبي من المواجهة , فسألته بشغف اكبر عن
"إنت مال أهلك " ,
لم يتراجع أمام نبرتي الحادة , و ذكرني بهدوء ب
إلحاحه السابق عليَّ بالاصرار على الحلول القاطعة لجميع المشاكل التي تواجهني ,
ذكرني بكلامه عندما اصطحبني في بداية استلام عملي الحكومي و كيف نصحني بالابتعاد
فورا عن هذه المنظومة الفاسدة , ذكرني بتنبيهه المستمر لي ب .. قطعت استرساله
المستمر في الحديث بوضع السماعات في اذني كدليل على رغبتي الصادقة في عدم استكمال
هذا الحوار العقيم معه ,
لم يبال بالركاب المحيطين بنا و رفع صوته اعلى من
الراديو ليستكمل مونولوج توبيخي فاضطررت لمناقشته بهدوء منعا للفضيحة مذكرا إياه
بمبدأي في الحياة المتلخص في كلمتين . . " مفيش فايدة " , و أن هذا
المبدا هو اختياري من البداية منذ ان كان "مالوش لازمة " عندما كان
يتعلق برغبتي في تجنب المشاكل التي قد تنتج عن الاعتراض على الفساد المحيط و الذي
تطور مع الزمن ليصبح " و أنا مالي " عندما وصل الفساد إلى دائرتي
الصغيرة و اوشكت على التورط فيه , حتى وصل لصورته النهائية "مفيش فايدة
" عندما اصبحت أنا نفسي جزءا من المنظومة الفاسدة أقولها لصغار المتورطين في
المنظومة لحثهم على التمسك بمبدأي الأول في تجنب المشاكل .. "مالوش لازمة " ...
ابتسم ابتسامة خبيثة لأول مرة منذ بداية حديثنا
قبل أن يخبرني بصوت واضح بأن الفساد استسهال و ليس اختيار . .
انتبهت مضطرا لظهور مفاجيء لمهرج يرتدي زيا نسائيا
اكتشفت فيما بعد أنه المضيفة المصرية _التي كان واضحا على وجهها الخطأ الجسيم الذي
ارتكبته في تقدير كمية المكياج المناسبة لعدم طمس ملامحها _ تطلب مني ربط حزام
الأمان استعدادا للهبوط بعد رحلة لم يمهلني ضميري الفرصة للاستمتاع بها كما يفعل
طيلة حياتي ..
نظرت إلى شريكي بالعمل الذي كان يجلس بجواري و
قررت أن أريح ضميري لأول مرة و أخبر شريكي بمنتهى القوة و الحزم برغبتي في العدول عن
تنفيذ الصفقة المشبوهة التي سافرنا من أجل اتمامها متحملا تبعات موقفي الشجاع و ما
يمكن أن ألاقيه من مشاكل و أزمات مادية و عواقب الوقوف في وجه منظومة الفساد ممنيا
نفسي براحة البال و الراحة النفسية ...
بادلني شريكي نظرتي الطويلة له بنظرة مشابهة قبل
أن يخبرني و براءة مساعدي العادلي في عينيه بعدم وجود داعي للقلق عارضا أن يتولى
هو بنفسه إدخال مبلغ العمولة المشبوهة التي سوف أحصل عليها إلى البلاد دون أية
مشاكل رقابية , فكرت قليلا و استجمعت شجاعتي قبل أن أجيبه بكل ثقة و حزم قائلا ..
" اللي تشوفه " ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق