الأربعاء، 19 سبتمبر 2012

دكر من ورق

كان في طريقه لعمله الصباحي مستقلا سيارته , واضعا الفلاشة في الكاسيت ممسكا بالريموت محاولا الوصول لأغنية معينة , عندما حاول سائق ميكروباص يبدو عليه الضيق الشديد (الميكروباص و ليس السائق ) أن يمر مسرعا بين سيارته و موتوسيكل يجري دون مراعاة لحجم الطريق ..

سمع صوت خفيف يوحي بخدش ناتج عن احتكاك الميكروباص بجانب الاكصدام الأمامي لسيارته , استفزه الموقف فأسرع يجري وراء الميكروباص واضعا يده على الكلاكس متقمصا دور سائق سيارة اسعاف متهور , استطاع اللحاق بسائق الميكروباص و فتح نافذة سيارته ليبدأ نقاش من طرف واحد يتلخص في التشكيك في حاسة الإبصار عند سائق الميكروباص و بعض الألفاظ التي تحمل معنى الرفض و الاستهجان ..

نظر له السائق المترفع عن الرد من خلف نظارته الشمسية المقلدة التي حجبت الشرر المتطاير من عينيه قبل ان يلقي بسيجارة كانت في يده مع خاتم كبير و أظافر طويلة و يصرخ بدوره " ما أنا رفعت لك إيدي خلاص , و بعدين عربيتك ما حصلهاش حاجة " ثم أردف بلهجة واثقة محذرة مستفزة خادشة للحياء " عايز نقف على جنب , نقف و تنزلي " . . . و انحرف فجأة إلى جانب الطريق متوقفا متحفزا ..

هنا أدرك اللحظة الفارقة , استعاد في ذاكرته بشيء من التأمل المخلوط بالخوف كل ما حدث , شعر بأن الحادثة كانت بسيطة و تتكرر كثيرا , كما أن الاكصدام مخدوش من قبل و كان ينوي تغييره عند توفر الوقت و المال اللازمين , كما أنه غير أصلي بالأساس , و تذكر كلمات السائق الرقيقة و هو يؤكد إن " العربية ماحصلهاش حاجة " و هي بالتأكيد وجهة نظر سليمة حيث يتيح موقع سائق الميكروباص له الفرصة للحكم ما إذا كانت السيارة اصيبت أم لا , كما أن السائق قد تكرم و رفع يده ( أو للدقة تكرم و قال أنه قد رفع يده ) تعبيرا عن حزنه الشديد و اعتذارا عن خدش هو يؤكد أنه لم يحدث ...

تذكر صديقه المقرب الذي كان دائما ما ينصحه بعدم التسرع في إصدار الأحكام , تذكر فجأة نصائح العفو عند المقدرة و قدرة الابتسامة و التسامح على خلق روح إيجابية في المجتمع , تذكر ما كتب على ورقة النتيجة هذا الصباح من عدم جدوى النقاش مع السفيه , كما تذكر فجأة أنه ربما يتأخر عن موعده و أنه مضطر للإسراع حتى يصل عمله مبكرا كما تعوّد دائما , كما أنه لم يسمع السائق جيدا عندما أطلق جملته الاخيرة طالبا الوقوف على جانب الطريق و لم يلمحه و هو ينحرف فجأة إلى جانب الطريق ....

مرت كل تلك الأفكار و المبررات في رأسه في ثوانِ معدودة قبل أن يقرر فجأة أن ينحرف هو الآخر_ لا إراديا_ إلى جانب الطريق و مواجهة الموقف و النزول من السيارة , اندهش مما فعله و لوهلة قرر ان يتظاهر بأنه يفحص الإطارات و يعود سريعا لسيارته و لكنه _لا إراديا مرة أخرى_ انفعل و تعصب و تشنج عند رؤيته للخدش الجديد على سيارته ...

تحولت عصبيته إلى دهشة كبيرة عند سماعه لكلام سائق الميكروباص مفتول العضلات محمر العينين الذي جاءه يجري معتذرا بصوت خافت , و تحول صاحب مقولة " ما أنا رفعتلك إيدي خلاص " إلى حمل وديع مظلوم يطلب منه بكل أدب أن "صلي على النبي يا باشا , أنا آسف " كما لعن الفرامل التي لم تسعفه و الموتوسيكل الذي لم يفسح له ... مبديا استعداده التام لإزالة الخدش و إصلاح أي تلف قد نتج عن تهوره ..

تقمص دور أمين الشرطة المخلص ناصحا سائق الميكروباص بإن " مافيش فرامل , يبقى تمشي بأدبك " و أخذ يكرر الجملة كثيرا إعجابا بالمنطق الموجود بالجملة و بقدرته على الصراخ بصوت عال في شارع مزدحم , قبل أن يعفو حقا عن السائق و يتركه رافضا أن يصلح السائق أي شيء صائحا بصوت سمعه كل من كان يركب الميكروباص " لولا بس إنك لحقت نفسك و اعتذرت لي " و أكمل في سره و هو يركب سيارته .. "
كنت أنا اللي اعتذرت لك "

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق