الأربعاء، 1 أغسطس 2012

حاضر لكن مكتوب غياب

لم يشعر أحد بغيابي , فأنا غير موجود بالأساس , في البداية فوجئت برد فعلهم الذي اعتقدت بأنه سيبدأ بالبكاء و العويل و ينتهي بالصبر و الاحتساب , و لكن يبدو انني كنت مخطئأ , أو أنني لم أكن على هذه الدرجة من الأهمية , ربما بسبب اختياري الدائم للبعد عن المشاكل , ربما لو لم أؤمن أن راحة الجسم تبدأ من راحة المخ .. من التفكير لتركت لهم سببا يتذكرونني من أجله , لم يفتقدني من اعتقدت أنني أسدي لهم صنيعا بعدم مواجهتهم بعيوبهم , فشلت بإرادتي في لفت انتباههم لوجودي , فكيف أريد الآن أن ألفت انتباههم لغيابي ؟! ..

 لم تفرد الجرائد صفحاتها لذكرى غيابي و لو ليوم واحد رغم أنني كنت أشتريها كل يوم ..

لم تتذكرني سيارتي التي كنت احرص دائما على إطعامها متحملا طوابير طويلة في محطات البنزين و علاجها من أي عطل محتمل ربما باهتمام أكبر من اهتمامي بعلاج من يركبونها و نظافتها بشكل ربما يزيد عن عدد مرات الوضوء اليومية , ربما تقوم الآن بتوصيل شخص لعمله أو أطفال لمدارسهم أو حتى رئيس الجمهورية لحفلات تخرج شعبه دون ان تتذكر أول من استقبلها عند خروجها من مصنعها الغربي و حماها من احتكاكات الشوارع و مطباتها في دولة إذا سرق فيها الشريف سرقوا معاه و إذا اشتكى فيها الضعيف ,أقاموا عليه الحد ..

لم يتذكرني البنك الذي ائتمنته على أموالي و حساباتي , لم يشفع لي عنده ثقتي به و بمشاريعه داعما إياه بكل ما استطعت أن أجنيه من أموال لكي يستثمرها و يشيد المدن و يعطي أصحاب النفوذ دون ضمان ..

حتى شقتي التي ظننتها ستملأ البرج و الحي كله صراخا على فراق من كان يحرص بصفة مستمرة على استقدام الأكثر أمانة لكي ينظفها و يعتني بها و الأكثر حرفية لكي يصلح مواسيرها و يدهن حوائطها متحملا ضياع الأوقات و استغلال الحاجات و من كان يحرص على فرشها بكل غال و شيمواه , أقول أنها لم تشعر بغيابي و لم تأسف لبعدي و اختفائي , فالاتربة التي كستها سرعان ما تمحيها طلعة جوية واحدة لمكنسة يابانية و تستعد لاستقبال ضيف جديد يرعاها و يستميت من أجلها ..

لم يتذكرني النادي الذي كنت دائما ما احرص على زيارته و صلة رحمه و تطهير أموالي بالتصدق لرحلاته و تبرعاته الإجبارية صدقة جارية في التراك المحيط بملاعبه و مطاعمه التي تجري من تحتها حمامات السباحة و فيها ما لا تقدر عين المواطن محدود الدخل على رؤيته حتى لو سمعته أذنيه ..

لم تبكِ المباريات التي كنت أواظب على مجاملتها بالفرجة عليها حزنا على فراقي , ولا الباقيات الصالحات من استديوهات تحليل البرامج الرياضية..

لم تفتقدني شهادتي التي بروزتها ولا ملابسي التي تحريت الدقة في اختيارها  ولا الكارت أبو عشرة اللي _لا مؤاخذة_ خدشته..

ربما الوحيد الذي لم يفاجئني رد فعله هو بحر الحياة الذي لم يشعر بذنب ابتلاعي لأنه على يقين من أنني اغرقت نفسي فيه عامدا قاصدا لالحق بمن سبقوني و اسبق من لحقوني ..رغم الدهشة التي رأيتها في عينيه و هو يدفنني متساءلا في سره عما إذا كان الغرق فيه فرضا علي الأغبياء من أمثالي ؟! فوددت لو أعود لحظات معدودة لأخبره بأنه ربما ليس فرضا على من يمتلكون العقل و لكنه قد أصبح بالتأكيد . . . متفق عليه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق